رسائل الصندوق الازرق
كانت تلك العبارة بداية انهيار آخر؛ إذ انتهى الأمر بـ**كاميليا** بهجر فارس قبل العيد الأول لميلاد ابنهما، وطالبت بحضانة صارمة ووساطة عائلية. ووجد فارس نفسه وحيداً في ذلك البيت الكبير، حيث حاولت امرأتان، كل واحدة بطريقتها، إسناد ما كان يرفض هو حمله.
في أحد أيام الشتاء، جاء إلى منزلي. كانت **ليان** تحل واجباتها في المطبخ، و**نوح** يركب مجسماً لطائرة على السجادة. وقف فارس عند العتبة يحمل حقيبة كتب.
— «هل يمكنني الدخول؟»
نظرتُ إلى الأطفال؛ هزت ليان كتفيها بلا مبالاة، ولم يجب نوح. فتركته في الممر.
وضع الحقيبة وقال: «عثرتُ على بعض أغراض والدتهما.. أغراض مريم. قلت لنفسي إنهما قد يرغبان في الاحتفاظ بها هنا أيضاً».
رفعت **ليان** عينيها: «هنا أيضاً؟»
ابتلع فارس غصته بصعوبة: «نعم.. في بيت إلهام أيضاً».
كان اعترافاً صغيراً، لكنه بالنسبة له كان أول حقيقة ينطق بها؛ لم يعد يقل “عند تلك المرأة”، ولم يعد يقل “شقتكِ”، بل اعترف أخيراً بأن بيتي هو أيضاً جزء من طفولتهما.
اقترب **نوح** من الحقيبة، وكان فيها شال، صور، دفتر صغير للوصفات، وزوج من الأقراط كانت مريم ترتديها غالباً.
لمست ليان الشال وسألته: «لماذا تعطينا هذا الآن؟»
نظر فارس إلى حذائه قائلاً: «لأنني كنت خائفاً.. كنت أخشى أنه إذا بقيت مريم قريبة من إلهام، ستقل محبتكم لي. لذا احتفظت بالكثير من الأشياء لنفسي».
لم تجب ليان، لكن نوح سأله: «وهل كنت تخاف أن نحب إلهام أكثر منك؟»
أغلق فارس عينيه: «نعم».
طال الصمت، ثم قال نوح: «كان بإمكاننا أن نحبك أنت أيضاً، لو لم تحاول انتزاعها منا».
بكى فارس.. ليس كثيراً، ولكن بما يكفي ليرى الأطفال أن أباهم لم يكن قاسيًا فحسب، بل كان أيضاً ضئيلاً، خائفاً، ومتكبراً. لم يداوِ ذلك جراحهم، لكنه فسرها.
مع مرور الوقت، تعلم **فارس** أن يفعل شيئاً لم يكن يتقنه أبداً: أن يكون أباً دون حب التملك. صار يحضر اجتماعات المدرسة، ويتصل إذا تأخر، ولم يعد يطرح كاميليا، أو أنا، أو مريم كنساء في حلبة مصارعة. طلب الصفح.. ليس مرة واحدة، بل مرات عديدة، لأن بعض الأخطاء أثقل من أن تمحوها جملة واحدة.
لم تغفر له ليان فوراً، ونوح أقل منها. أما أنا، فلم أكن أعلم إن كانت كلمة “الغفران” هي الكلمة الصحيحة أصلاً. لم أعد زوجته ولا أريد ذلك، لكني كنت أريد ألا يكبر الأطفال وهم يعتقدون أن الحب يجب أن ينتهي دائماً في قاعات المحاكم.