رسائل الصندوق الازرق
أطلق **فارس** ضحكة عصبية ساخرة: «هذا بالضبط ما كنت أقوله! لقد كانت تشحنهم وتجهّزهم ضدي».
ولأول مرة منذ بداية الجلسة، نطقتُ قائلة: «لا… لم أجهّزهم ضدك، بل جهّزتهم ضد الفقد والخذلان».
طلبت محاميتي، الأستاذة **فريدة**، الإذن بقراءة بعض الرسائل، فوافق القاضي.
اختارت **ليان** الظرف الأول بشكل عشوائي، وكان مكتوباً على واجهته: **«إلى نوح، في اليوم الذي تظن فيه أنك لست شجاعاً».**
فتحت الأستاذة **فريدة** الرسالة وبدأت تقرأ، وتغيرت نبرة صوتها منذ الأسطر الأولى:
> «نوح حبيبي، اليوم أتممتَ عامك السادس، ونجحتَ في النوم طوال الليل دون إضاءة ممر المطبخ. أخبرتني صباحاً على وجبة الإفطار أن الوحوش ربما تخاف من شطائر الخبز. ضحكتُ كثيراً، لكني بكيتُ في المطبخ وحدي، لأنك لا تعرف بعد أن الشجاعة لا تعني ألا تخاف أبداً… بل الشجاعة هي أن تأكل شطيرتك حتى والخوف لا يزال رابضاً في صدرك».
>
انفجر **نوح** بالبكاء، وأغلقتُ عينيّ.. كم تذكرت تلك الليلة! تذكرت بيجامته الزرقاء، وقدميه الباردتين، والطريقة التي سألني بها إن كانت أمه الراحلة في السماء ترى الوحوش هي الأخرى.
سحبت **ليان** ظرفاً آخر: **«إلى ليان، إذا شعرتِ يوماً بالخجل من البكاء».**
قرأت الأستاذة **فريدة**:
> «ليان حبيبتي، أنتِ اليوم في الثامنة من عمرك. في المدرسة، أخبرتكِ إحدى الفتيات أن الكبار لا يبكون على أم ماتت منذ زمن طويل. كتمتِ دموعك حتى عدتِ إلى المنزل، ثم أغلقتِ على نفسك باب الحمام. أريدكِ أن تعرفي هذا جيداً: لا يوجد تاريخ انتهاء لصلاحية الشوق. حزنك ليس ضعفاً، بل هو الدليل القاطع على أن حبكِ لأمكِ ما زال يتنفس».
>
بكت **ليان** بصمت، بينما خفضت **كاميليا** عينيها إلى الأرض. أما **فارس**، فقد كان ينظر إلى الصندوق وكأنه ينظر إلى ألد أعدائه.
سأل القاضي: «كم عدد هذه الرسائل؟»
أجابت **ليان**: «واحدة لكل عيد ميلاد، واحدة لكل دخول مدرسي، واحدة لكل ليلة عيد… وأخرى لأيام الشدة التي قد نحتاج فيها إلى مواساة».
وأضاف **نوح** بصوت متهدج: «هناك رسالة حتى لليوم الذي ينسى فيه أبي الحضور لمشاهدة مباراتي».
احمرّ وجه **فارس** خجلاً، لأنه نسي بالفعل.. مرتين.
في المرة الأولى، كذبتُ على نوح وأخبرته أن والده انشغل مع عميل مهم، وفي المرة الثانية، لم أجد كذبة لطيفة بما يكفي لأجبر خاطره.