رسائل الصندوق الازرق

شحب وجه **فارس** تماماً، ووضعت **كاميليا** يدها على بطنها لكن ملامحها فقدت كل ثقتها. لم أكن أعلم إن كانت تكتشف حقيقة فارس للتو أم أنها ترفض رؤيتها بعد.

رفع القاضي الجلسة للمداولة. وفي الممر، ركضت **ليان** نحوي، ولم يمنعها أحد هذه المرة. ارتمت في أحضاني، ولحق بها **نوح** متشبثاً بمعطفي. شعرتُ بأجسادهم الصغيرة تهتز من البكاء، وكنت أكرر لهم: «أنا هنا.. أنا هنا.. أنا هنا».

كان **فارس** يراقبنا على بُعد أمتار، ولأول مرة، لم يبدُ كالرجل الواثق من الفوز، بل بدا كشخص خسر للتو الحق في تفصيل مفهوم الحب على مقاس مصلحته.

بعد ذلك اليوم، تغير كل شيء.

أمر القاضي بإجراء تحقيق عائلي معمق، ورفض طلب فارس بإقصائي المفاجئ عن الأطفال. لم يمنحني القاضي كل شيء، فالحياة ليست قصة خيالية يكفي فيها الحب لتغيير القوانين، لكنه اعترف بأنني ركيزة أبوية أساسية في حياتهما، وأن قطعي عنهما يضر بمصلحة الطفلين.

أُجبر **فارس** على قبول نظام حضانة تدريجي؛ يمضي الأطفال وقتاً معه، لكنهم يواصلون العيش معي جزءاً من الأسبوع.

كره ذلك في البداية، وعاش دور الضحية مدعياً أنني جعلت الأطفال يعتمدون عليّ عاطفياً بشكل مرضي، وأن الرسائل كانت “مسرحية”، وأن ليان خضعت للتأثير. لكن كلما تحدث بهذه الطريقة، كلما ابتعد الأطفال عنه أكثر.

وضعت **كاميليا** طفلها بعد بضعة أشهر. ظننتُ أن فارس سيكون سعيداً، لكن الرضيع لا يرمم رجلاً يرفض النظر إلى الأنقاض التي تسبب فيها. اكتشفت كاميليا بدورها ما فهمته أنا متأخرة: فارس يحب أن يكون محط الإعجاب، مخدوماً، مُنتظَراً، ومغفوراً له. يحب العائلات فقط ما دامت تدور في فلكه.

عندما كان الطفل يبكي ليلاً، كان يتحجج باجتماعات العمل، وعندما كانت تطلب منه المساعدة، يتهمها بتهويل الأمور.

ذات مساء، اتصلت بي. بالكاد عرفت صوتها الذي خلا تماماً من الكبرياء:

— «إلهام، أعلم أنه ليس لي الحق في طلب أي شيء منكِ..»

صممتُ، فتابعت باكية:

— «لكن ليان ترفض المجيء إلى بيت أبيها، وتقول إنها لا تريد ترك نوح وحده هناك. أظن أنها خائفة».

انقبض قلبي: «خائفة من ماذا؟»

أجابت كاميليا وهي تنشج: «من أن تصبح غير مرئية مجدداً».

لم أواِ كاميليا، فبعض الجروح لا تمنحنا كرمًا فوريًا، لكني قلت لها: «إذن استمعي إليها.. ولا تفعلي ما كان يفعله هو».

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *