خذلان العائلة – محمد نور
## الجزء الأول
كانت تفصلهم 3 دقائق فقط عن بدء مراسم الزفاف عندما نظر **توفيق** إلى الندوب التي تمتد على رقبة ابنت众 والكتف الأيسر.
تراجع إلى الخلف وكأنه رأى شيئاً مثيراً للتقزز.
— **«لن أرافق امرأة مشوهة إلى منصة الزفاف.»** زمجر بنبرة حادة.
شعرت الملازم **مريم** وكأن القاعة بأكملها تتلاشى من حولها.
لم تعد تسمع ألحان المعازف، ولا الحضور الذين تجاوز عددهم 180 مدعواً، ولا همسات ضباط القوات البحرية الجالسين في الصفوف الأولى.
لم يسكن رأسها سوى صوت الانفجار القديم…
تهشم المعدن.
دوي صفارات الإنذار.
وصراخ البحارة المحاصرين داخل الهيكل المشتعل لسفينة القطر.
خضعت مريم لـ 4 عمليات جراحية بعد أن اقتحمت مقصورة محترقة 3 مرات متتالية لإنقاذ رفاقها. الأولى أنقذت حياتها، أما البقية فمكّنتها من تحريك ذراعها مجدداً.
والدها لم يزرها في المستشفى سوى مرة واحدة فقط.
قضى فيها 23 دقيقة، كان معظمها يتساءل أمام الجراح عما إذا كان بإمكانهم جعل تلك الآثار “أقل قسوة على العين”.
والآن، وأمام الجميع، أخذ يعدّل أزرار أكمامه الفضية بثقة باردة:
— **«هذه الصور ستتداول لسنوات يا مريم، ولن أسمح بأن أظهر بجانب… “هذا”.»**
*”هذا”.*
لم يقل ابنتي.
لم يقل الضابطة المُكرّمة.
ولا المرأة التي ظلت لسنوات ترسل جزءاً من راتبها لتنقذ ترسانة عائلتها (*ترسانة توفيق البحرية*) من الإفلاس.
كانت **سارة**، أختها الصغرى، تقف بجانبه ترتدي فستاناً بلون الشامبانيا، فقالت بنبرة هادئة:
— **«أبي يحمي سمعة العائلة فحسب يا مريم.»**
— **«يحميها من ماذا؟»** سألتها مريم.
خفضت سارة بصرها نحو الندبة:
— **«أنتِ تعلمين جيدا…»**
— **«قوليها بصوت عالٍ.»**
— **«اقترحتُ عليكِ ارتداء فستان بياقة مرتفعة يخفي كل شيء.»**
— **«وأنا اخترتُ ألا أختبئ.»**
— **«إذاً كان عليكِ تأجيل الزفاف.»**
تقدم النقيب **دانيال**، خطيب مريم، والغضب يعصف بملامحه:
— **«ستعتذر لها الآن!»**
أمسكت مريم بمعصمه بصلابة:
— **«ليس هنا يا دانيال.»**
فسّر توفيق هدوءها على أنه ضعف، فأردف مستكبراً:
— **«بدوني ستسيرين نحو المنصة بمفردكِ، وربما حينها يفهم الجميع أي نوع من النساء تعود من مهمتها وكأنها نذير شؤم.»**
كانت والدتها، **أمينة**، تقف بجوار النافذة.
على مدار 32 عاماً، كانت تجعل من كلمة توفيق القرار الأخير والنافذ في هذا البيت.