سلفتي الفرن بتاعها باظ ٢ – منى السيد
الرنة بتاعة تايمر الفرن نزلت في السكون اللي في الصالة زي جرس الفضيحة، رنة طويلة رنانة قطعت نفس سلفتي اللي كانت واقفة متبسمرة عند عتبة الباب وإيديها بترتعش والطبق اللي في إيدها كان خلاص هيقع لولا إنها سندته على الحيطة. جوزي مشي خطوتين تلاتة في الطرقة بتاعتها، خطى تقيلة وبطيئة كأنه خايف يوصل للحقيقة اللي هتهد الصورة اللي راسمها في خياله طول عمره لبنت عمه المظلومة اليتيمة اللي مفيش أطيب منها.
أنا مفضلتش واقفة مكاني على باب شقتي، دخلت وراه بخطوات واثقة ووقفت على باب المطبخ، ويوسف ابني كان طلع على صوت الحركة ووقف في مدخل الصالة مذهول، وسلفتي دخلت تجري ورا جوزي وهي بتنهج وصوتها بيطلع بالعافية يا أبو يوسف اسمعني بس، انت داخل مطبخي وجوزي مش هنا ليه؟ ده عيب وحرام، هي مراتك عايزة تفتش بيوت الناس وتعمل فتنة وخلاص!
جوزي مالتفتش لكلامها، دخل المطبخ وعينه راحت على طول على البوتاجاز الستانلس الكبير اللي واقف في الركن. الفرن كانت لمبته قايدة من جوة، والإزاز الشفاف مبين صينية بطاطس بالفراخ محمرة واخدة وش دهبي بيلمع وبتغلي بفقاقيع الصلصة المتسبكة، وصوت البوتجاز بيهدر والسخونة طالعة منه واصلة لحد الباب ومخلية المطبخ كله دافي بريحة التوابل والتحمير.
مد إيده بتردد وحط صوابعه على إزاز الفرن، شال إيده بسرعة من كتر السخونة اللي كادت تلسعه. التفت وبص لسلفتي، النظرة اللي في عينه كانت مزيج غريب بين الصدمة، والقهرة، والكسوف. وشه كان أحمر زي الدم، وعروق رقبته نطت وهو باصص لها ومش قادر يجمع كلمة تطلع من حلقه.
هي اتلخبطت وراحت جاية في المطبخ كأنها اتزنقت في جحر ضيق، وشها بقى أصفر
ليمون وبقت تبلع ريقها وتقول بتخبط أصل… أصل أنا قولت لجوزي الصبح قبل ما ينزل يجرب يشوف الفيشة، شكله لعب في السلك من ورا وصلحه من غير ما ياخد باله، وأنا افتكرته لسه بايظ، جيت أجربه لقيته اشتغل فجأة فحطيت الصينية على السريع وقولت أعمل الرز عند أم يوسف عشان متأخرش…
ضحكت بصوت عالي، ضحكة مكنش فيها أي فرحة، ضحكة كلها وجع وسخرية، وقولت لها صلحه الصبح فجأة؟ ومقالكيش؟ وانتي يا عيني مكنتيش واخدة بالك خالص إنه شغال وبيطلع نار أهو ومسوي صينية فراخ تاخد ساعة كاملة في الفرن؟ وجاية تخبطي عليا بطبق الرز وتقوليلي فرنك محروق ومبيولعش بقاله شهر وعايزة تدخلي عندي؟
سلفتي عينيها زاغت، وبدأت نبرة المسكنة تتحول لشراسة مستخبية، وقالت لي بصوت خشن وانتي مالك انتي؟ فرن شغال ولا مش شغال، هو انتي هتحاسبيني على بيتي وحالي؟ أنا كنت جاية أصفى النيات وأدخل عليكي بطيب خاطر عشان متباتيش متخانقة مع جوزك، تقومي تتلككي بالفرن والصينية؟ إيه الغل اللي في قلبك ده ناحيتي؟ ده أنا بنت عمه ولحمه ودمه، انتي اللي غريبة وداخلة علينا!
الكلمة دي خلت جوزي يفوق من سكتته، بس بدل ما يزعق فيا أنا زي ما كان بيعمل طول عمره، التفت لسلفتي وقال بصوت واطي بس يرعب من كتر ما هو متحشرج بالغضب غريبة؟ مراتي اللي شايلاك وشايلة بيتي وعيالي بقالها عشرين سنة غريبة؟ وانتي اللي عمالة تدخلي بيتي وتطلعي منه بتمثيلية خايبة؟ بتكدبي عليا يا هبة؟ عينك في عيني وبتقوليلي صلحته الصبح؟ ده انتي من أول الشتا وانتي كل يوم داخلة طالعة تقوليلي الفرن بتاعي باظ والحاجة بتبوظ مني ومستنية جوزي يقبض عشان يصلحه!
هبة رجعت لورا خطوة وبدأت تعيط بجد المرة دي، بس دموع خوف من الفضيحة مش دموع ندم يا أبو يوسف انت هتصدق مراتك وتكدب بنت عمك اللي متربية على إيدك؟ أنا ماليش غيركم بعد أبويا، هضحك عليك ليه بس؟ دي حاجة بسيطة مش مستاهلة تكبروها بالشكل ده!
قولت لها وأنا بقرب منها وعيني في عينها بثبات عمري ما حسيته قبل كده حاجة بسيطة؟ لما تشحني الراجل على مراته وتقوليله إنها بتعايرك وبتقولك شحاتة وتخليه يسيب شقته وينزل يقعد عند أمه ويهددني بالطرد والطلاق عشان صينية رز، تبقى حاجة بسيطة؟ ولما تكون أمي بتموت في المستشفى ومحتاجة بنتها جنبها، وانتي تقفي في طريقي وتعملي مشكلة وتقولي لجوزي مراتك رفضت تساعدني وسابتني محتاسة، دي حاجة بسيطة؟ لما تكوني بايتة إمبارح بتكلمي أختك في التليفون وبتقوليلها بالحرف الواحد إنك عملتي حكاية الفرن عشان تطفشيني من البيت وتستفردي بحماتي وبمصروف البيت الكبير وتخليني أتسول الرضا عند أهلي، يبقى ده لحم ودم وتربية أخت؟
أول ما نطقت بجملة التليفون، هبة اتسمرت، شفايفها ابيضت وفتحت بقها ومطلعش منه صوت. كأن حد ضربها على دماغها بخشبة، عرفت في اللحظة دي إن كل كلمة سمعتها منها إمبارح كانت متسجلة في دماغي ومفيش مفر من إنها اتفضحت على حقيقتها.
جوزي بص لها بذهول أكبر من صدمة الفرن بمية مرة انتي قولتي كده؟ انتي بتخططي تفركشي بيتي وتطلعي مراتي من شقتها عشان حتة مصروف وعشان غل في قلبك؟ أنا اللي كنت بفضل طلباتك على طلبات بيتي عشان يتيمة وعشان أبوكي موصيني عليكي؟ أنا اللي كنت بنزل أزعق لمراتي وأبهدلها قدام أمي عشان خاطر متزعليش، تطلعي انتي السوسة اللي بتنخر في بيتي وعايزة تشردي عيالي؟
في اللحظة دي، صوت رجلين طالعة على السلم كان بيعلى، والباب بتاع الشقة كان مفتوح على مصراعيه، فلقينا حمايا وحماتي وسلفتي التانية الكبيرة طالعين على الصوت، ما هي العمارة بيت عيلة وصوت الزعيق كان واصل للدور الأرضي. حماتي دخلت بجلابيتها السودة وشالها على كتفها وهي بتقول بنبرة عتاب حامية في إيه يا ولاد؟ صوتكم جايب آخر الشارع والناس بتبص على شبابيكنا، جرى إيه يا أبو يوسف؟ مش قولتلك سيب مراتك تهدا يومين وبلاش تطلع تتخانق معاها؟
حمايا راجل كبير، شعره أبيض وله هيبة، دخل وسند على عكازه ووقف في نص الصالة، عينه دارت بين جوزي وسلفتي وبيني وبين يوسف ابني اللي واقف متكتف ووشه مليان غضب على أمه، وقال بصرامة في إيه يا حسن؟ فهمني بالراحة إيه اللي مطلعك شقة أخوك وبتزعق مع مراته كده وأخوك في شغله؟
حسن جوزي بص لأبوه، وشه كان مكسور بجد، الراجل اللي كان نازل إمبارح فارد ضهره ومقتنع إنه بينصر الغلبانة اليتيمة، حس إنه كان ألعوبة في إيد واحدة ملهاش أمان. أشار بإيده على المطبخ وقال بصوت موجوع تعال شوف يا حج. شوف بنت أخوك اللي ربيناها وسطنا وبنقول لحمنا ودمنا ووصيتني عليها زي أختي. شوف الفرن اللي مقومة القيامة عليه بقالها شهور وخلتني أبهدل أم يوسف بسببه وأهينها قدامكم، الفرن شغال وزي الفل ومسوية فيه فراخ أهو، وبتخطط من ورا ضهرنا إزاي تخرب بيتي وتطرد مراتي وتستفرد بالبيت كله!
حماتي بصت لهبة بذهول، ودخلت المطبخ شافت المنظر بعينها، ورجعت وهي بتبص لها بقلة حيلة وقالت إيه ده يا هبة؟ هو الفرن مش كان محروق ومستنية إبراهيم جوزك يصلحه؟ بتعملي كده ليه يا بنتي؟ هو إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده أم يوسف دي كانت بتشيل
لمحة نيوز