سلفتي الفرن بتاعها باظ ٢ – منى السيد
اللقمة من بق عيالها وتطلعها لك، وكنت دايمًا أقول حسن مراته مفيش أطيب منها ومستحملاكي زي أختها!
هبة شافت إنها خلاص وقعت في بير ملوش قرار، والكل باصص لها نظرة احتقار مفيهاش أي تعاطف، حاولت تستعطف حمايا، جريت عليه ومسكت في جلبابه وبدأت تبكي بنواح يا عمي اسمعني، والله العظيم هما فاهمين غلط، أم يوسف غيرانة مني عشان حسن بيعاملني كويس وبيسأل عليا، وهي اللي كبرت الحكاية في دماغه عشان توقع بيني وبينكم، أنا يتيمة وماليش حد غيركم، هتعملوا فيا كده عشان صينية أكل؟
حمايا زق إيدها بهدوء بس بحزم يقطع الخلف، راجل قديم وبيفهم الأصول وميرضاش بالظلم أبدا، خبط بعكازه على الأرض وقال بصوت جهوري هز الحيطان اخرسي خالص! اليتم مش معناه تغلبي وتفتري وتاكلي في لحم الناس اللي آووكي في بيوتهم. أم يوسف دي ست بيت أصيلة، شالت ابني وشالتنا في مرضنا وعمرها ما طلعت منها العيبة في حق حد في البيت ده. أنا كنت ساكت ومستني لما أشوف آخرة الدلع والوصاية اللي عمالين تعملوها، وكنت حاسس إن في حية بتلدغ في الخفا بس قولت ولاد عم ومحبش أظلم. لكن توصل بيكي الدناءة إنك تستغلي مرض أمها، ست كبيرة نايمة في المستشفى، وتعملي عليها نمرة عشان تخلي ابن عمك يطردها من بيتها؟
التفت حمايا لحسن جوزي، وبص له بغضب أب حقيقي وانت يا مغفل! فين عقلك؟ فين رجولتك اللي بتبان على مراتك وعيالك؟ تصدق كلام وتجري تبهدل شريكة عمرك اللي بقالك معاها عشرين سنة ومشوفتش منها إلا كل خير؟ عشان مين؟ عشان حتة برام رز وصينية بطاطس؟ لو كنت راجل حكيم كنت وزنت الأمور، وكنت شوفت مراتك اللي بتجري على أمها العيانة وجيت شيلت عنها، مش تيجي تهد بيتك بإيدك عشان تسمع كلام شيطان؟
حسن نكس راسه في الأرض، كان شكله يصعب على الكافر، مكنش قادر يرفع عينه في عين أبوه ولا في عيني. الدمعة كانت محبوسة في عينه والكسوف مالي كيانه.
حمايا كمل كلامه وبص لهبة وقال بصرامة مفيهاش رجعة اسمعي يا بت، لما إبراهيم جوزك يرجع من شغله، أنا اللي هقعد معاه راجل لراجل، وهعرفه كل اللي عملتيه بالظبط، وهو اللي هيتصرف معاكي. ومن اللحظة دي، رجلك دي متخطيهاش عتبة شقة أم يوسف أبدا، ولا ليكي دعوة بأكلها ولا شربها ولا بوتجازها. عندك شقتك ومطبخك وفرنك اللي مش عاجبك، تعيشي فيه في حالك، ولو سمعت صوتك طالع ولا لمحتك بتبصي لبيتها بنظرة مش تمام، قسما بالله لتكوني عند أهلك في بلدكم ومش هتدخلي البيت ده تاني حتى لو كان تمن ده إيه.
هبة وطت راسها ودخلت أوضتها ورزعت الباب وراها من كتر الخزي، وحماتي وسلفتي التانية نزلوا مع حمايا بعد ما بصوا لي وقالولي حقك علينا يا أم يوسف، انتي أصيلة وبنت أصول ومحدش يقدر يمسك بكلمة في البيت ده.
فضلنا أنا وحسن ويوسف ابني واقفين في مدخل شقتنا. يوسف بص لأبوه بحزن وعتاب شاب حس إن كرامة أمه اتهانت، ومشي دخل أوضته وقفل الباب، عشان يسيبنا لوحدنا.
حسن فضل واقف قدامي في الصالة، رقبته مطأطأة ومش قادر ينطق. البيت كان ساكت خالص، والتوتر اللي كان شاحن الجو بقى حزن تقيل يوجع القلب أكتر من الغضب. قرب مني خطوة وقال بصوت مكسور كله ندم سامحيني يا أم يوسف… أنا كنت أعمى، الغشاوة كانت على عيني عشان كنت فاكر إني بعمل بأصل أبويا وبوصيته على بنت عمه. كنت حمار وغبي، مفكرتش فيكي ولا في تعبك مع أمك، ورميت عليكي كلام زفت ميطلعش من راجل بيحب مراته وبيحترمها. حقك فوق راسي، اضربيني بالجزمة بس متبصليش البصة دي.
بصيت له كتير، بصيت للراجل اللي عشت معاه سنين طويلة على الحلوة والمرة، عمري ما شوفت منه خيانة ولا بخل، بس كانت مشكلته الكبيرة طيبته الزايدة وتسرعه وعقله اللي كان بيتساق ورا فكرة صلة الرحم بشكل أعمى لحد ما كان هيخرب بيته بإيده.
أخدت نفس طويل وقولت له بنبرة هادية بس قاطعة زي السيف المسألة مش مسألة ضرب ولا خناق يا حسن. المسألة إنك في لحظة صدقت فيا الوحشة، هنتني قدام أهلك وهددتني بالطرد من الشقة اللي أنا وأنت دافعين دم قلبنا فيها عشان نعملها سكن لينا ولعيالنا. نسيت إن أمي كانت في المستشفى، ومسألتنيش حتى هي عاملة إيه، كان كل همك إني مسمعتش كلام هبة ومردتش عليها طلبها السخيف.
مسك إيدي الاتنين وباسهم بلهفة وقال حقك عليا والله، أمك دي أمي وأنا هنزل أروحلها دلوقتي حالا أقبل راسها وأطلب رضاها. ومش هسيبك زعلانة، والله العظيم من اللحظة دي ما حد في البيت ده يقدر يتعدى حدوده معاكي، ولا هبة دي هتشوف وشي ولا هتكلم معاها تاني إلا في حدود السلام من بعيد لبعيد، وكلمتك في بيتك هي اللي هتمشي.
سحبت إيدي بالراحة من بين إيديه، وقولت له أنا مش عايزة خراب لبيت حد، ولا فرحانة في خزي هبة وفضيحتها قدام عمها. أنا كان كل همي كرامتي وكرامة عيالي، وإنك تعرف إن الطيبة اللي ملهاش حدود بتتحول لضعف، وإن بيتك لازم يكون له حرمة وسور عالي مفيش مخلوق يقدر ينط من فوقه حتى لو كان أقرب قريب.
أنا مسامحة عشان خاطر عشرتنا، وعشان خاطر يوسف وإخوته، وعشان عارفة إنك مكنتش قاصد تظلمني بذاتك، انت كنت مضحوك عليك. بس اللي حصل ده درس، ومش هيتكرر تاني يا حسن. لو اتكرر في يوم من الأيام ولقيتك بتقدم أي حد عليا وعلى بيتك وبتصدق فيا كلمة من غير دليل، ساعتها مش هستنى لما تقول لي امشي، أنا اللي همشي من نفسي ومن غير ما أرجع.
حسن هز راسه بحرقة وقال عمرها ما هتحصل تاني أبدا، والله العظيم ما هتحصل. بيتي وعيالي ومراتي في كفة، والدنيا كلها في كفة تانية.
في المسا، لما إبراهيم جوز هبة رجع، قعد مع أبوه وأخواته تحت في الشقة الكبيرة، وعرف كل اللي حصل، وصوته كان عالي وزعيقه مالي البيت عليها، وعاقبها بإنه حبسها في شقتها ومنعها تنزل أو تطلع إلا بإذنه، ونظرات أهل البيت ليها اتغيرت تماما ومبقاش حد يعبرها ولا ياخد كلامها بمحمل الجد بعد ما كدبها وغلها بان للكل.
أما أنا، فدخلت مطبخي بالليل، ولعت فرني وظبطت ناره، وعملت برام رز معمر بالقشطة واللبن والسمنة البلدي زي ما بحب أعمله، ريحته ملت شقتي، بس المرة دي وأنا مرتاحة ومطمنة، مفيش حد هيخبط على بابي بابتسامة كدابة عشان يحط عينه في لقمتي، ولا في حد هيقدر يهد بيتي اللي حصنته بالصبر والحكمة والحق اللي مبيضعش وراه مطالب. جوزي جه قعد جنبي في المطبخ، وبص لي بامتنان، وعرف ساعتها إن بنت الأصول اللي بتصبر هي السند الحقيقي، وإن حبال الكدب مهما طولت، مسيرها تتقطع قدام نور الحقيقة.
بقلم مني السيد