المسعف والنادلة
لم تأتِ المرأة التي كان ينتظرها… لكن الليلة لم تنتهِ كما توقع.
على مدار أربعة عشر عامًا، كان جبريل مندور يعمل مسعفًا في شوارع القاهرة، حاضرًا في أصعب لحظات حياة الآخرين.
تعامل مع نوبات قلبية في شقق ضيقة، وحوادث سير مروعة، وحرائق، وحالات ولادة طارئة داخل سيارات علقت وسط الزحام.
كان يصل دائمًا بهدوء يبعث الطمأنينة، ويدين ثابتتين، وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات التي يعجز فيها الجميع عن التفكير.
وبمجرد أن يسلّم المريض إلى قسم الطوارئ، ينظف سيارة الإسعاف، ثم ينطلق مباشرة إلى البلاغ التالي.
لكن عندما تنتهي مناوبته… لم يكن هناك أحد بانتظاره.
كان يعيش وحيدًا في شقة متواضعة بحي شبرا، ويقود سيارة قديمة تجاوز عمرها اثني عشر عامًا، يصلحها بنفسه كلما تعطلت. أما راتبه، فكان بالكاد يكفي مصاريفه الأساسية، إلى جانب ما يرسله شهريًا للمساهمة في علاج والدته التي تعيش مع شقيقته في طنطا.
كان الناس يرون في عمله بطولة، أما هو فكان يرى شيئًا مختلفًا.
الذين لم يتمكن من إنقاذهم ظلوا يرافقونه في ذاكرته، أما الذين كتب الله لهم النجاة، فقد واصلوا حياتهم ونسي معظمهم حتى وجه الرجل الذي وقف بجانبهم في أصعب دقائق عمرهم.
ومع مرور السنوات، بدأ يشعر وكأنه مجرد عابر في حياة الجميع… يظهر وقت الحاجة، ثم يختفي دون أن يترك أثرًا.
لهذا كانت شقيقته مريم تكرر عليه دائمًا:
“لا يمكنك أن تقضي عمرك كله تعتني بالغرباء، ثم تعود كل ليلة إلى بيت خالٍ.”
وكان يجد في كل مرة عذرًا مختلفًا؛ مناوبة إضافية، أو زميل يحتاج إلى من يغطي مكانه، أو عطل في سيارة الإسعاف.
لكن هذه المرة لم تترك له مريم فرصة للهرب.
قالت له بحزم:
“لقد أعطيت فريدة رقم هاتفك بالفعل، واتفقنا أن تلتقيا الخميس القادم، الساعة الثامنة مساءً، في مقهى الياسمين. وإذا ألغيت الموعد، فلن أكلمك شهرًا كاملًا.”
ولأجلها… وافق.
في مساء الخميس، وصل قبل الموعد بقليل، مرتديًا قميصًا كحليًا كواه بعناية.
جلس في ركن هادئ من المقهى ينتظر.
عند الثامنة وعشر دقائق، ألقى نظرة على هاتفه.
وعند الثامنة والعشرين، طلب كوبًا آخر من الماء، محاولًا إقناع نفسه بأنها تأخرت بسبب الزحام.