في بطنك حية

في ولد صغير كان يمر دايم من شارعنا، وكل ما يشوفني يوقف فجأة، يمد إصبعه على بطني وأنا حامل، وما يقول إلا جملة وحدة تخلي جسمي كله يبرد: “إنتِ شايلة حيّة في بطنك! وقفي هالحمل! لا تجيبينها للدنيا!”

 

اسمي جوليا. عمري أربع وعشرين سنة، ومتزوجة من زوجي جوردن. عندي مول كبير أملكه من ورث أبوي، وكل جمعة أروح بنفسي أتطمن على المحلات، أشوف الموظفين، أراجع الحسابات، وأمشي بين الأدوار كأني أبغى أتأكد إن كل شي واقف مثل ما تركه أبوي.

 

كنت وقتها حامل في الشهر الثاني. تزوجنا السنة اللي فاتت، وجوردن كان بالنسبة لي الرجل المثالي: هادي، حنون، يعرف متى يسكت ومتى يطبطب، وما كان يخليني أحس إني وحيدة أبد.

 

لكن في ذاك الجمعة، وأنا راجعة العصر من المول، والحر لاصق في الشارع والناس مستعجلين، شفت ولد صغير يمشي على طرف الطريق. يمكن عمره إحدى عشرة سنة. ثيابه ممزقة، نعاله مختلفين عن بعض، شايل كيس فيه قوارير قديمة وعلب فاضية، ويمشي كأنه ما يدري وين يروح.

 

أول ما لمحني، وقف مكانه.

 

عيونه ثبتت على بطني بطريقة خوفتني. بعدها رفع إصبعه الوسخ، وأشار علي وقال بصوت واضح:

 

“إنتِ حامل بحيّة! تكفين نزلي هالحمل، ولا بتجيبين بنت حيّة في بيتك. وقتها بيكون فات الأوان، لأنها ما تموت بسهولة.”

 

حسيت الدم يفور في وجهي. انقهرت! من هو هذا الولد عشان يوقف في الشارع ويقول عن طفلي كلام مقرف كذا؟ للحظة، والله العظيم، حسيت إني ممكن آخذ حجر من الأرض وأرميه عليه.

 

صرخت فيه: “إنت مريض؟ وين أهلك؟ لازم أبلغ عليهم! ولدهم واقف في الشارع يهين الناس ويتكلم كأنه مجنون! المرة الجاية لو كررتها، بخليك تدخل القسم، فاهم؟”

 

بس بدل ما يخاف، ابتسم. ابتسامة باردة ما تشبه ابتسامة طفل. شال كيسه على كتفه، وكأنه كان ينتظر غضبي بالضبط.

 

قال وهو يطالع في عيوني: “أنا ما ألعب. اللي في بطنك مو إنسان كامل. هذي حيّة كبيرة. روحي المستشفى قبل ما يخلص الوقت. أنا حذرتك، لا تقولين ما قلت لك.”

 

قلت وأنا أتقدم عليه: “تعال هنا يا قليل الأدب!”

 

ركضت وراه وأنا مو قادرة أمسك أعصابي. كنت أبغى أوقفه، أسأله من قال له هالكلام، وأصفعه على قلة احترامه. لكنه كان أسرع مني. دخل زقاق ضيق بين بيتين قديمين، واختفى وهو يضحك ضحكة فاضية، مخيفة، كأنها طالعة من مكان مو طبيعي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *