في بطنك حية

 

لكن الصباح، وأنا أرتب المطبخ، شفت علبة صغيرة مخبية خلف علب الفيتامينات. ما كانت من الصيدلية اللي أتعامل معها، وما عليها اسم واضح. بس كان مكتوب عليها بخط يد جوردن: “للصباح فقط”.

 

مسكتها وقلبي يدق. تذكرت كيف كان يصر كل يوم يعطيني كاس عصير بنفسه، ويضحك إذا قلت له ما أبي. كان يقول: “عشان البيبي يقوى”.

 

حطيت العلبة في شنطتي بدون ما يحس، ورحت المستشفى وحدي. الدكتورة أول ما شافت الحبوب تغير وجهها. سألتني: “مين أعطاك هذي؟” قلت لها زوجي. سكتت ثواني، ثم قالت: “لا تاخذين منها ولا حبة لين نحللها.”

 

وقتها حسيت رجولي ما تشيلني.

 

طلعت من المستشفى وأنا أفكر بالولد. سامي. لازم ألاقيه. لازم أعرف ليش قال “حيّة” بالذات، وليش جوردن خايف منه.

 

رجعت للمول وفتحت كاميرات الجمعة. شفته عند الحاويات، بس قبل لا يركض ورا سيارتي، ظهر رجل لابس كاب أسود واقف قدامه.

 

قربت الصورة.

 

كان جوردن.

 

والأغرب إنه كان ماسك ورقة صغيرة ويحاول يحطها في يد الولد، لكن سامي دفعه وصرخ. ما سمعت الصوت من الكاميرا، بس قرأت حركة فمه بوضوح:

 

“أمي ماتت بسببكم.”

 

في نفس اللحظة، جوالي رن.

 

كان جوردن.

 

فتحت الخط، وما قلت شي. سمعته يتنفس، ثم قال بصوت بارد ما سمعته منه قبل:

 

“جوليا… اطلعي من غرفة الكاميرات  الحين.”

 

هنا عرفت إنه كان يراقبني.

رجعت البيت ويدي ترتجف حول العلبة. كان البيت هادئ بشكل يخوف، كأن الجدران تسمعني. أول ما دخل جوردن، ابتسم كعادته، وقرب يبوس جبيني، لكني رفعت العلبة بوجهه.

قلت بصوت مخنوق: “وش هذي؟”

وقف مكانه.

أول مرة أشوف الابتسامة تختفي من وجهه بهذه السرعة.

قال بهدوء: “من وين جبتيها؟”

صرخت: “من مطبخي! من بين فيتاميناتي! والدكتورة قالت لي أوقفها فورًا. من هي أم سامي؟ وليش قال إنها ماتت بسببكم؟”

سكت.

ثواني طويلة… ثقيلة.

بعدها جلس على الكنبة، وحط يديه على وجهه، وكأنه تعب أخيرًا من التمثيل.

قال بصوت منخفض: “كنت أشتغل مع شركة أدوية قبل أتزوجك. كانوا يجربون علاجات على نساء حوامل. فلوسهم كانت كبيرة… أكبر من أي شي شفته بحياتي.”

حسيت بطني تنقبض.

همست: “وأم سامي؟”

رفع عيونه ببطء. “كانت واحدة منهم.”

شهقت وأنا أرجع خطوة للخلف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *