المسعف والنادلة

 

لكن ما إن دخل منزله، حتى عاد ذلك الصوت القديم.

 

قال في نفسه:

 

“هالة مجرد أم ممتنة… لا أكثر. إذا عدت إلى المقهى، فقد أفسد كل شيء. لا أريد أن أخلط بين الامتنان والمشاعر.”

 

لذلك… قرر ألا يعود.

 

مر أسبوع.

 

ثم عشرة أيام.

 

وكان كلما مرت سيارة الإسعاف بالقرب من المنيل، ينظر إلى الطريق المؤدي إلى مقهى الياسمين، ثم يكمل سيره وكأنه يقنع نفسه بالنسيان.

 

وفي صباح اليوم الحادي عشر، بينما كان يرتب صناديق الأدوية في نقطة إسعاف 27، اقترب منه أحد زملائه وقال:

 

“جبريل… هناك امرأة تسأل عنك.”

 

رفع رأسه.

 

كانت هالة تقف عند المدخل…

 

ولم تكن وحدها.

 

إلى جوارها وقف مازن، مرتديًا زي حارس المرمى، ويحمل في يده ظرفًا صغيرًا.

 

ظل الطفل يحدق في جبريل لثوانٍ، ثم قال بثقة:

 

“إذن… أنت هو.”

 

ابتسم جبريل واقترب منه.

 

“أظن ذلك يا بطل.”

 

قال مازن وهو يمد يده نحوه:

 

“أنت الرجل الذي لم يسمح لي أن أموت.”

 

ساد الصمت في المركز.

 

حتى المسعفون الذين كانوا يتظاهرون بالانشغال توقفوا يراقبون المشهد.

 

جثا جبريل على ركبتيه حتى أصبح في مستوى الطفل، وقال بهدوء:

 

“أنت ووالدتك من قمتما بالجزء الأصعب.”

 

ابتسم مازن وقال ببراءة:

 

“أمي تقول إنك ترد هكذا دائمًا لأنك لا تحب أن يشكرك أحد… لكن شكرًا لأنك تركتني أكبر.”

 

صافحه جبريل…

 

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يستطع أن يمنع دموعه من النزول.

 

اقتربت هالة، وضعت يدها على كتفه، وقالت بابتسامة هادئة:

 

“شهيق لأربع ثوانٍ يا جبريل…”

 

نظر إليها مبتسمًا رغم دموعه.

 

فأكملت:

 

“احبس النفس لأربع ثوانٍ… والآن زفير لأربع ثوانٍ.”

 

ضحك وهو يهز رأسه.

 

لقد كانت تعيد إليه الكلمات نفسها التي علّمها لها قبل سنوات.

 

ثم نظرت إليه وقالت بلطف:

 

“لماذا لم تعد إلى المقهى؟ لقد انتظرتك.”

 

أجاب بصراحة:

 

“ظننت أن كل ما بيننا مجرد امتنان.”

 

هزت رأسها وقالت وهي تنظر مباشرة في عينيه:

 

“أنا ممتنة… نعم. لكنني كنت أريد أن أراك أنت أيضًا.”

 

ثم أضافت بصوت صادق:

 

“انتظرت ست سنوات لأشكر الرجل الذي علمني أنني أقوى مما كنت أظن… وبعد أن وجدته، لن أسمح له أن يهرب فقط لأنه يخاف أن يصدق أن هناك من يريده أن يبقى.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *