المسعف والنادلة

 

وأضافت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان:

 

“حولتني من أم منهارة إلى شخص يستطيع أن يساعد طفله. لم تسمح لي أن أشعر بالعجز.”

 

أما بالنسبة لجبريل، فلم تكن تلك الليلة سوى بلاغ آخر انتهى مع انتهاء مناوبته.

 

لكن بالنسبة لهالة، كانت بداية حياة جديدة.

 

قالت:

 

“لم تغادر بعد وصولنا إلى المستشفى. عرفت فيما بعد أن مناوبتك كانت قد انتهت، لكنك بقيت حتى خرج الطبيب وأخبرني أن حالة مازن استقرت. وعندما حاولت شكرك، قلت لي: (هذا واجبي يا سيدتي… لقد قمتِ بعمل عظيم)، ثم غادرت.”

 

خفض جبريل رأسه.

 

كان يتذكر خروجه من المستشفى مع أول ضوء للفجر، وشراء كوب قهوة قبل أن يعود إلى منزله، لكنه لم يتذكر وجه الطفل بعد أن تجاوز مرحلة الخطر.

 

رفع رأسه وسألها بلطف:

 

“وكيف أصبح مازن الآن؟”

 

ابتسمت هالة، وأخرجت هاتفها.

 

ظهرت صورة لصبي في الحادية عشرة من عمره، يرتدي زي حارس مرمى، وقفازات كبيرة، ويبتسم بثقة رغم غياب إحدى أسنانه الأماميتين.

 

قالت بفخر:

 

“إنه لا يهدأ أبدًا. يعشق كرة القدم، ويقرأ كل ما يقع تحت يديه عن أسماك القرش، ويأكل ما في الثلاجة خلال يومين… والأجمل أنه لم تصبه أي نوبة تشنج منذ أربع سنوات.”

 

مد جبريل إصبعه يلامس الصورة برفق، كأنه يريد أن يتأكد أن الطفل الذي حمله يومًا بين ذراعيه أصبح يقف الآن على قدميه.

 

قالت هالة بابتسامة دافئة:

 

“في كل عيد ميلاد، كنا ندعو لذلك المسعف الذي لم نكن نعرف اسمه… واليوم أصبح بإمكاننا أن نذكر اسمك في دعائنا.”

 

استمر الحديث بينهما حتى أغلق المقهى أبوابه.

 

حكت له هالة عن السنوات التي قضتها تعمل صباحًا في مغسلة ملابس، ومساءً كنادلة، حتى توفر حياة كريمة لمازن.

 

وحكى لها جبريل عن مناوباته الطويلة، وشقته الصامتة، وإحساسه الدائم بأنه الشخص الذي يسند الجميع، بينما لا يجد أحدًا يسنده.

 

وعندما خرجا من المقهى، وقفت هالة عند الباب وقالت بابتسامة:

 

“المرأة التي لم تأتِ الليلة… قدمت لي أكبر معروف منذ ست سنوات.”

 

ابتسم جبريل، لكنه لم يجد ما يقوله.

 

عاد إلى شقته، غير أن كلماتها بقيت ترافقه طوال الطريق.

 

وللمرة الأولى منذ سنوات، شعر أن حياته ربما تركت أثرًا حقيقيًا في حياة أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *