محامية ابيها

في إحدى قاعات محكمة الأسرة بالقاهرة، كان الجميع يتوقع أن يتحول مرض والدي إلى السلاح الذي سيُستخدم ضده. عادت أمي، التي تركتنا منذ سنوات، مرتديةً بدلة أنيقة بلون البيج، مدعيةً أنها قلقة على مستقبلي. جلس عمي إلى جوارها، متظاهرًا بأنه حريص على مصلحة العائلة، بينما كانت عيناه معلقتين بشركة والدي، وكأنها أصبحت ملكًا له بالفعل.

 

ثم وقفتُ أنا، أحمل ملفي المدرسي البنفسجي، وقلت:

 

“أنا محامية بابا.”

 

ضحك كل من في القاعة في البداية.

 

لكن الضحكات اختفت تمامًا عندما فتحت الملف.

 

—

 

في أول مرة وقفت فيها داخل قاعة المحكمة، كانت قدماي لا تلامسان الأرض وأنا جالسة على المقعد.

 

كان عمري سبع سنوات.

 

اسمي ليلى عبد الرحمن، وكنت أرتدي فستانًا أزرق بياقة بيضاء، لأن أم حسن كانت تقول إن المحكمة مكان له هيبته، ومن يدخلها يجب أن يبدو في أبهى صورة.

 

كان والدي، محمود عبد الرحمن، يجلس على كرسيه المتحرك إلى طاولة الدفاع.

 

في يوم من الأيام، كان مجرد دخوله إلى قاعة اجتماعات كافيًا ليملأها حضورًا. كان مؤسس شركة الريادة للحلول التقنية. وصفته الصحف الاقتصادية بأنه صاحب رؤية استثنائية، ونعته رجال الأعمال بالعبقري.

 

أما أنا…

 

فكنت أناديه ببساطة:

 

“بابا.”

 

لكن مرض التصلب المتعدد غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إليه.

 

كانت يداه ترتجفان أحيانًا.

 

ويصبح كلامه بطيئًا عندما يرهقه التعب.

 

أما جسده…

 

فلم يعد يطيعه كما كان من قبل.

 

لكن عقله…

 

كان لا يزال حاضرًا وحادًا كما عرفته دائمًا.

 

كنت أعرف ذلك، لأنه في كل ليلة، حتى عندما تؤلمه أصابعه فلا يستطيع حمل كتاب، كان يجلس بجانبي ويساعدني في فهم أصعب دروس العلوم.

 

وأعرفه لأنه لم ينسَ يومًا أنني أعاني حساسية من الفراولة.

 

وأعرفه لأنه كان يستطيع أن يشرح لي الفضاء، والكسور، ولماذا يقول الكبار أحيانًا: “أنا بخير”، بينما تكون قلوبهم مليئة بالحزن.

 

—

 

على الطاولة المقابلة جلست أمي، ريهام.

 

كانت جميلة…

 

كما كانت دائمًا.

 

بدلة أنيقة، وشعر مصفف بعناية، وعطرٌ ما زلت أتذكره من الصور القديمة أكثر مما أتذكره من وجودها في حياتي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *