الذكرى الثالثة- محمد نور
الجزء الأول: ليلة الذكرى الثالثة
في ليلة ذكرى زواجنا الثالثة، ذهبتُ إلى المستشفى وأنا أحمل حافظة حرارية فيها حساء ساخن.
لم يكن ذلك لأن زوجي يستطيع شربه…
فـ سليمان العزّابي كان غائبًا عن الوعي في حالة غيبوبة تامة منذ أكثر من سنتين.
ولكني أعددته على أي حال.
حساء الدجاج بالبهارات الخفيفة، أكلته المفضلة التي قال لي يومًا إنه يحبها.
أردتُ لذكراه اليوم أن تحمل شيئًا يشبه الطقوس العائلية… شيئًا يشبه الزواج الحقيقي.
كان ممر جناح كبار الشخصيات باردًا وساكنًا. لا يُسمع فيه سوى طنين الإضاءة، وصفير أجهزة مراقبة النبض، والصوت الخافت لخطوات حذائي على الأرضية المصقولة.
دفعتُ باب الغرفة بسكون.
وهناك كان يرقد.
سليمان…
زوجي.
مستلقيًا تحت ضوء خافت، بلا حركة، وسيمًا وبعيدًا كأنه تمثال من رخام.
قبل ثلاث سنوات، وفي مثل هذا اليوم، انتظرته أمام مكتب التوثيق والتسجيل لثلاث ساعات كاملة وأنا أرتدي فستانًا أبيض استأجرته لتلك المناسبة.
وصل متأخرًا.
وكانت رائحة عطر امرأة أخرى لا تزال تفوح من ياقة سترته.
وقع الأوراق دون حتى أن ينظر في عيني.
يومها قلتُ لنفسي:
«لا بأس.. فالحب يمكن أن ينمو وينضج بعد الزواج.»
كم كنتُ ساذجة!
بعد تسعة أشهر فقط من زواجنا، تعرّض سليمان لحادث سير مروع.
قال الأطباء يومها إنه قد لا يستيقظ أبداً.
وفجأة، اختفت عائلة العزّابي التي كانت تزدريني سراً وتعتبرني “امرأة بلا حسب ولا نسب”.
العمومة…
أبناء العم…
الشركاء…
الجميع أصبحت لديهم اجتماعات طارئة، وسفريات مفاجئة، وأمراض مريحة تمنعهم من الحضور!
في النهاية، لم يبقَ في الميدان سواي.
الزوجة الفقيرة.
الزوجة التي لا تناسب مقامهم.
الزوجة التي كانوا يقولون عنها إنها محظوظة لمجرد أن اسمها ارتبط بعائلتهم.
ألف وخمسة وأربعون يومًا من الضياع
على مدار ألف وخمسة وأربعين يومًا، كنتُ أستيقظ قبل الساعة السادسة صباحًا.
تركتُ عملي في شركة تنظيم المؤتمرات، واستأجرتُ غرفة صغيرة بالقرب من المستشفى.
كل صباح، أصل إلى غرفته.
أغسل جسده.
أدلك أطرافه كي لا تصاب بالضمور.
أقلبه على جانبيه كي لا تتشكل في جسده تقرحات الفراش.
أقرأ له الأخبار الاقتصادية والمالية.
أحلق له لحيته.
أغير أغطية السرير.
أنظف فمه.
وأمسك بيده بكل خوف عندما يصدر جهاز القلب نغمة غريبة.