الذكرى الثالثة- محمد نور

مسكتُ أنبوب التغذية بيدي لبرهة…

خطا الدكتور طارق خطوة نحو الأمام متوجسًا:

— «مدام سارة…»

نظرتُ إلى الطبيب.

ولم أفعل ما كان الجزء المكسور والمجروح في داخلي يريد فعله.

لن أتحول إلى مجرمة من أجل رجل لا يستحق حتى غضبي.

تركتُ الأنبوب… وابتسمت.

— «لا تقلق يا دكتور.»

ثم رفعتُ حقيبتي.

أخرجتُ وثيقة الزواج، وإيصالات المصاريف، وسجلات العناية به، وصور التحويلات البنكية التي أرسلتها للتو إلى هاتفي.

نظرتُ إلى سليمان للمرة الأخيرة…

انحنيتُ بالقرب من أذنه وهمست:

— «بما أنك استيقظت وأفقت… فهذا ممتاز جداً.»

ثم أضفتُ بصوت حاسم:

— «استعد إذن… لتشاهد كيف سأستيقظ أنا أيضاً!»

وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، خرجتُ من أبواب المستشفى دون أن ألتفت وراء خطوة واحدة.

الجزء الثاني والأخير: طوق النجاة والاسترداد

ضربني هواء الممر على وجهي كالماء المثلج.

للحظة، لم أستطع السير.

وقفتُ أمام باب غرفة كبار الشخصيات، وفي يدٍ أحمل حافظة الحساء التي ما زالت دافئة، وفي اليد الأخرى الهاتف المقبوض عليه بشدة.

خلف ذلك الباب كان يرقد سليمان العزّابي.

زوجي.

الرجل الذي غسلته، وقلّبته، وأطعمته، ورافقته على مدار ألف وخمسة وأربعين يومًا.

الرجل الذي تظاهر بأنه لا يسمعني وأنا أقص عليه أخبار العالم الخارجي كي لا يشعر بالوحدة إن كان هناك جزء منه لا يزال حيًا.

الرجل الذي ربما سمع كل مرة بكيت فيها إلى جواره بصوت خافت.

كل مرة قلتُ فيها: «سليمان، أفق أرجوك.»

كل مرة وعدته فيها: «لا تقلق، أنا هنا إلى جانبك.»

وكان هو هناك بالفعل!

مدركًا، وواعيًا… يتخفى خلف شلل واهن ومريح، منتظرًا أن أظل الزوجة والممرضة والخادمة والظل والدرع القانوني، بينما هو يرسل الملايين إلى داليا!

خرج الدكتور طارق بعد بضع ثوانٍ، وأغلق الباب بهدوء.

— «مدام سارة…»

التفتُّ إليه، وسألته بصوت بحّ من الصدمة:

— «منذ متى؟ منذ متى ونحن نعرف أنه استيقظ؟»

صمت الدكتور طارق لبرهة:

— «ظهرت أولى علامات الوعي الواضحة منذ عام ونصف تقريبًا.»

عام ونصف!

شعرت بطنين حاد في أذني.

قبل عام ونصف، كنتُ أحتفل بأبسط حركة في أصابعه، وأركض للممرضات بحماس: «أرأيتن؟ أعتقد أنه استجاب!»

وكنّ ينظرن إليّ برحمة وعطف، بينما كان طارق يشرح لي حينها أن هذه مجرد ردود أفعال عصبية لا ينبغي أن أبني عليها الآمال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *