ساره وطارق – محمد نور
طلبَت مني حماتي البيتَ الذي أفرغت أمي 18 عاماً من عمرها وتضحياتها لتشتريه؛ وساندها خطيبي في ذلك، وحينها فقط اكتشفتُ أنهما كانا يخططان لهذا الأمر منذ أسابيع!
— إن كنتِ تريدين حقاً الانضمام إلى هذه العائلة، فأقلّ ما يمكنُكِ تقديمُه هو أن تتنازلي لي عن بيتِ أمكِ.
وقعت هذه العبارة على مسامعي بعد ستة أسابيع فقط من تواري جثمان أمي الثرى.
كنا نجلس في صالة الشقة الصغيرة التي تستأجرها أم طارق في “حي المعادي”. كانت “أمينة” تمسك بيديّ بلمسة كنتُ أظنها -حتى ذلك اليوم- حناناً ورحمة.
— عفواً؟ ماذا تقولين؟
— بيت “الشروق”.. إنه فارغ منذ وفاة والدتكِ. أنتِ وطارق ستشتريان بيتاً آخر بعد الزواج، فما الحاجة لإغلاقه؟ يمكنني أنا وداليا أن ننتقل للعيش فيه ونرعاه.
شعرتُ ببرودة تسري في أوصالي وتجمد دمائي.
لم يكن ذلك البيت مجرد “بيت فارغ”.. لقد قضت أمي زهاء ثمانية عشر عاماً تدلك الأجساد وتعمل في تنظيف مركز صحي لتعرق وتوفر ثمنه. بعد طلاقها من أبي —ذلك الرجل الذي أضاع أمواله في القمار وكان يختفي بالأيام— ربّتني بمفردها. مرّت علينا أعوامٌ لم نكن نجد فيها سوى الخبز والقليل من الجبن لنقتات به كي أتمكن من إكمال دراستي.
وحين حصلتُ على وظيفتي في البنك، أقسمتُ بيني وبين نفسي أن يرتاح جسدها التعب يوماً ما.
وفعلاً، في سن الثالثة والخمسين اشترت أخيراً ذلك البيت المكون من دورين. وفي اليوم الأول، مسحت البلاط الجديد بقطعة قماش وضحكت قائلة:
— انظري يا “سارة”.. إنه يلمع لدرجة أننا نستطيع التزلج عليه!
عشنا هناك معاً.. غرسنا الياسمين، واخترنا الستائر، وتجادلنا حول مكان الأريكة، وكنا نشرب القهوة كل صباح جمعة في الفناء.
ثم توفيت أمي أثر نوبة قلبية مفاجئة.
وجدتُها على أرض الصالة عند عودتي من البنك. حاولتُ إنعاشها بنفسي حتى وصلت سيارة الإسعاف.. لكن الأجل كان قد سمى.
كان طارق معي في الجنازة، وضمتني “أمينة” بحرارة وأنا أصارع لألتقط أنفاسي وهي تقول:
— لستِ وحدكِ بعد اليوم.. حين تتزوجين ابني، سأكون لكِ بمثابة أمكِ.
والآن، تتجرأ هذه المرأة نفسها وتطلب مني تسليمها البيت الذي لا تزال كتب أمي فيه، وكوبها المفضل، وكراستها التي كتبت فيها بخط يدها: “ما دمتُ حية، سأحمي ابنتي من كل شر”.
— لا، يا خالة أمينة.