ساره وطارق – محمد نور
اعترفت داليا:
— أنا أيضاً أردتُ الاستفادة، وظننتُ أن العيش في بيتكم سيكون مريحاً.. لكن بعد الجنازة، ورؤية أمي تطالبكِ بالبيت ودموعكِ لم تجف بعد، شعرتُ بالقرف من نفسي ومنهما. طارق كان يقول إنكِ بعد الزواج ستستسلمين للأمر الواقع.
— ولماذا انتظرتِ كل هذا الوقت لتخبريني؟
— لأنني كنتُ خائفة من أن أجد نفسي بلا عائلة.
فهمتُ عبارتها جيداً.. أمي استغرقت سنوات لتتطلق من أبي خوفاً من أن تبقى بلا عائلة.
فقلتُ لها:
— العائلة الحقيقية لا تجبركِ على ارتكاب ما تعلمين في أعماقكِ أنه إثم وخطأ.
أومأت داليا برأسها.. لم نصبح صديقتين مقربتين، لكنني قبلتُ اعتذارها.
بعد شهر، ظهر طارق أمام البنك. لم يكن يحمل وروداً هذه المرة.
— لن أترجاكِ لتعودي إليّ، أريد فقط أن أعتذر.
— أنا أسمعك.
— حين التقيتُ بكِ لأول مرة، أعجبني أنكِ لم تنبهري بوظيفتي، وأحببتُ برّكِ بأمكِ. لكن مع الوقت، بدأتُ أرى في استقراركِ المالي وحياتكِ حلاً لأزماتي. كنتُ غارقاً في الديون، وأمي تضغط عليّ، ورأيتُ بيتكِ منفذاً مريحاً للهروب.
— منفذاً أدفع أنا ثمنه من دم أمي.
— نعم.. اغرورقت عينان بالدموع وتابع: خسرتُ عملي وشرفي، وابتعد عني أصدقائي. لكني فهمتُ الآن أن هذا ليس عقاباً منكِ، بل لأنني اعتادتُ لسنوات على التعدي على الحدود وحل الأمور بالطرق الملتوية، وفرضتُ عليكِ أن تتنازلي عن حقوقكِ أيضاً.
— أتمنى أن تكون قد تعلمت الدرس.
— هل هناك أي فرصة لنبدأ من جديد؟
— لا.
نكس رأسه وقال:
— كنتُ أتوقع ذلك..
— لقد سامحتُك بما يكفي كي لا أحمل ضغينة في قلبي، لكن ليس بما يكفي لأسلّمك مستقبلي مرة أخرى.
انصرف دون أن يلحّ.
بعد أشهر، علمتُ أنه عمل في مكتب محاسبة صغير، وتوقف عن سداد نفقات أمه المتزايدة. اضطرت “أمينة” للانتقال لشقة صغيرة تناسب دخلها، بينما تشاركت “داليا” السكن مع صديقة لها بعد أن وجدت عملًا. لم ينتهِ أحدٌ منهم في الشارع، بل فقط توقفوا عن انتظار شخص آخر ليمول حياتهم.
كتبت لي داليا ذات يوم:
— الآن فقط فهمتُ لماذا كانت أمكِ فخورة جداً بشراء هذا البيت بمفردها.
فأجبتها:
— أتمنى ألا تخلطي مجدداً بين حاجتكِ للشيء، وبين حقكِ في أخذه من صاحبه.
أما أنا، فاستمررتُ في العيش ببيت أمي. لم أحوله إلى متحف كئيب؛ طليتُ الجدران بألوان دافئة، غيرتُ الستائر، وحولتُ غرفتها إلى مكتب صغير للدراسة. احتفظتُ بأريكتها، وبشجرة الياسمين في الفناء، وبكوبها المفضل.