اكتشاف الخيانة
— هو إنتي مكنتيش تعرفي إن أحمد اشترى شقة في التجمع الخامس من 4 سنين؟
الجملة دي طلعت من بوق شريف، زميل جوزي القديم، الساعة 2:17 بعد نص الليل. كنا واقفين في الممر الأبيض الضيق بتاع مستشفى أبو الريش للأطفال، في الوقت اللي كان ابني يوسف نايم فيه ومتركب له محاليل على السرير، وأنا بقالي 7 سنين كاملين عايشة على وهم إن جوزي أحمد مسافر الكويت بيطفح الكوت ويتبهدل عشان يرفعنا ويسدد ديوننا.
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتلف بيا.
شريف وشه اتخطف وبقى زي الليمونة أول ما شاف ريأكشن وشي:
— أنا آسف يا دينا… أنا افتكرتك عارفة.
البداية والوهم الكبير
أنا مكنتش أعرف الهوا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أحمد سافر وأنا لسه حامل في الشهر الثالث. قال لي إن شركة المقاولات اللي شغال فيها بعتاه تبع مشروع ضخم في الكويت، وإن الموضوع كله مش هيزيد عن 3 سنين بالكتير. قال لي إن المرتب هناك خيالي وهيخلينا نسدد كل الديون اللي علينا، ونخلص قسط شقتنا الصغيرة اللي في شبرا، وبعدها نشتري شقة تليق بـ يوسف لما يكبر.
صدقته.
الست اللي لسه متجوزة جديد بتصدق جوزها زي ما بتصدق إن الشمس هتطلع بكرة من الشرق.
لكن الـ 3 سنين بقوا 5.. والـ 5 بقوا 7.
وطول السنين دي، أحمد مكنش بيبعتلي غير ألفين جنيه بس في الشهر! كان ديما يقول لي: “العيشة هنا نار يا دينا، والشركة بتلطعنا في المرتبات، والمشروع فيه مشاكل.. معلش استحمِلي واقفي جنبي.”
وأنا استحملت.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
ولدت لوحدي. ربّيت لوحدي. وسددت لوحدي ديون وقروض كان هو سايبها وراه قبل ما يسافر وصلت لـ نص مليون جنيه. كنت شغالة مصممة في مطبعة صغيرة في المعادي، وبالليل بفضل سهرانة لحد 3 الفجر أعمل لوجوهات وكروت ومنايو مطاعم عشان أطلع بأي قرش زيادة.
لو يوسف سخن، كنت بجري بيه لوحدي في نص الليل. لو فيه مجلس آباء في المدرسة، بروح لوحدي. لو البنك اتصل بيا عشان قسط متأخر، أنا اللي بواجه وبسد.
ليلة الصدمة
ليلتها، يوسف حرارته رفعت جداً وجاله مغص رهيب. شيلته ونزلت بيه جري على الطريق ولبسته جاكيت قديم فوق هدوم البيت، ومكنش معايا في جيبي غير 300 جنيه كاش وفيزا بنك شبه فاضية. في التاكسي، كان بيهلوس ويقول لي:
— بطني بتوجعني أوي يا ماما.. أنا خايف.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في الطوارئ، الدكاترة قالوا إنها نزلة معوية حادة ولازم يفضل تحت الملاحظة وياخد محاليل. كنت قاعدة جنبه على الكرسي البلاستيك، عيني هتموت من قلة النوم، لحد ما شريف لمحني وعرفني.
في الأول، اتكلمنا في كلام عادي؛ مراته كانت محجوزة في نفس المستشفى بسبب ولادة مبكرة. وبعدين سألني عن أحمد:
— هو أحمد لسه في الكويت؟
— آه — رديت بقلة حيلة — بيقول إن المشروع اتمد تاني والشركة متمسكة بيه.
شريف فتح بوقه عشان يتكلم، وبعدين سكت وبص حواليه بقلق ويأس، وقرر ينطق باللي عنده:
— دينا… أنا شفت أحمد بعيني في التجمع الخامس.. كان معاه ست تانية شيك أوي، وكانوا داخلين عمارة هناك. لما سألت البواب بدافع الفضول، قال لي إن الشقة دي بتاعته وملك ملكه، وإنهم عايشين فيها مع بعض بقالهم سنين.
برود الصدمة
كل دوشة المستشفى، وصوت الأجهزة، وصراخ الأطفال اتكتم فجأة في وداني.
افتكرت كل ليلة يوسف كان بيسألني فيها بالدموع: “هو بابا مش بيوحشني؟ هو مش عاوز يشوفني ليه؟”. افتكرت مكالمات أحمد السريعة اللي كان ديما ينهيها بـ “استحملي”، “أنا بعمل كل ده عشانكم”، “هانت وأنا راجع قريب”.
في الوقت اللي كنت بحسب فيه بالقرش تمن علبة اللبن لـ ابني عشان تكفينا لآخر الشهر، هو كان عايش في التجمع الخامس في شقة تمليك فخمة مع ست تانية!
معيطتش.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
فيه وجع رهيب بيجمد الدموع في العين ومبيخليهاش تنزل.. بيتحول لـ كتلة تلج في الصدر.
الساعة 4 الصبح، جالي مسج من أحمد على الموبايل:
”أنا حولت لك الألفين جنيه بتوع الشهر ده. خلي بالك من يوسف. الشغل هنا في الكويت طاحن ومطلع عيني.. استحملي معايا شوية كمان.”
بصيت للشاشة وابتسمت ابتسامة باردة وناشفة.
كتبت له:
”وصلوا، شكرًا. يوسف بقى أحسن. خلي بالك من نفسك.”
قفلت الموبايل وشيلته في شنطتي.
في الفجرية دي، أخدت قرار واضح وصريح: مش هصرخ، مش هعاتب، ومش هستعطفه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أحمد لو كان ممثل شاطر قدر يمثل دور المغترب الشقيان لمدة 7 سنين، فأنا هعرف أمثل أحسن منه.. بس الستارة الأخيرة في المسرحية دي أنا اللي هقفلها بإيدي.
ومكنتش أتخيل أبدًا الحقيقة القذرة اللي هكتشفها ورا أول خيط من خيوطه وكدبه…
الجزء الثاني
رجعت تاني يوم الشقة وأنا شايلة يوسف وهو نايم على كتفي. العمارة القديمة في شبرا كانت ريحتها رطوبة، وأكل بايت، وتعب سنين. طول عمر المكان ده كان هو أماني وحمايتي، بس الصبح ده بالذات حسيت إنه مجرد ديكور كئيب واقف على كدب وخداع.
نيمت يوسف وفتحت اللاب توب بتاعي.
عملت فايل جديد وسميته “شقة 12″ على اسم شقتنا. جمعت فيه كل حاجة: تحويلات أحمد، فواتير المستشفى، مصاريف المدرسة، وصولات قسط الشقة، رسايل وعوده إنه هيرجع، والڤويسات اللي كان بيقولي فيها إنه مش قادر يبعت مليم زيادة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بعدها كلمت منى بنت خالتي، كانت شغالة في مكتب محاماة كبير في الزمالك.
— أوعي تواجهيه بأي حاجة دلوقتي — حذرتني منى — الراجل اللي كدب 7 سنين كاملين مش هيعترف بالذنب عشان اتكسف، ده هيعترف بس لما تتقفل في وشه كل السكك وميبقاش قدامه مفر.
على العصر، شريف بعت لي رسالة تانية:
”سألت واحد صاحبي شغال في العقارات هناك. الشقة اللي في التجمع فعلاً باسم أحمد.. بس المقدم ومصاريف التنازل كانت دافعاهم ست اسمها رانيا.”
رانيا.. والستارة الزرقاء
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رانيا.
حسيت بضربة قوية في بطني.
رانيا دي كانت خطيبته القديمة قبل ما يتجوزني. كان ديما يحكي لي إنها سابته عشان أهلها شافوه فقير ومش من مستواهم. كان بيقولي إني أنا اللي أنقذته، وإني عرفته يعني إيه حب حقيقي من غير طمع ومصالح.
دخلت دورت عليها على السوشيال ميديا ولقيتها.. رانيا أبو النجا. صور في مطاعم شيك في الزمالك، سفريات لـ الجونة ودهب، شنط براندات بآلاف، ولمات عيلة راقية. وفي كذا صورة ليها، كانت متصورة في ريسبشن وراه ستارة لونها رمادي مائل للزرقان وأباجورة سوداء مودرن.
بالليل، أحمد كلمني ڤيديو كول كالعادة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— بتعملي إيه يا دينا؟
— براجع شغل ورايا.
في الخلفية وراه.. شفت نفس الستارة الرمادي المزرقّة.
أخذت سكرين شوت فورًا.
— مالك يا دينا؟ صوتك متغير وشكلك غريب.
— مفيش، تعبانة شوية.
— متقعديش تشغلي دماغك بأوهام وتنكدي على نفسك، أنا بطفح الكوت وبعمل كل ده عشانك وعشان يوسف.. هانت.
أول ما قفل، كبرت الصورة.. الأباجورة، حيطة الخشب، الستارة. كل تفصيلة كانت مطابقة تمامًا لصور رانيا.
وفجأة.. تليفوني رن من رقم غريب، وصوت ست اتكلمت بغرور:
— دينا.. أنا رانيا. متهيألي جه الوقت اللي لازم تفهمي فيه الحقيقة وتنسحبي بالذوق. أحمد عمره ما حبك زي ما حبني.
كنت باصة لباب أوضة يوسف ودموعي محبوسة بالعافية:
— وإنتي بقى مكلماني نص الليل عشان تقولي لي الكلمتين دول؟
— مكلمياكِ عشان أقولك كفاية تعيشي في الوهم ومتمسكيش في راجل مش عاوزك. أنا حامل من أحمد، وإحنا بنبني حياتنا، وشقة التجمع دي بيتنا اللي هنربي فيه ابننا.
حسيت بركبي بتخونني ومش قادرة أقف، بس طلعت صوتي قوي ومتماسك:
— وإنتي بقى عايشة في “بيتك الشيك”.. مين اللي ربى ابنه؟ ومين اللي سدد ديونه؟ ومين اللي شال المستشفيات والمصاريف والليالي الكحلة من غير نوم؟
رانيا اتنهدت بقرف واستهزاء:
— دي واجباتك يا حبيبتي.. مش إنتي أمه؟ شيليه بقى.
المكالمة كانت بتتسجل أوتوماتيك على موبايلي. أول ما قفلت، سيفت الفايل فورًا.
بعدها بدقايق، أحمد اتصل وهو صوته يرعش من الغضب:
— رانيا كلمتك؟ قالت لك إيه؟
رديت بكل برود:
— رانيا مين؟
سكت تمامًا ومبقاش عارف ينطق.
ودي كانت أول خبطة في جدار كدبه.
الساعة 3 الفجر، جالي رسالة من رقم مجهول فيها صورة: أحمد ورانيا قاعدين قدام تورتة مكتوب عليها “حمد لله على السلامة يا بيبي”. وراهم في الخلفية، كانت فيه صورة فرحهم متعلقة على الحيطة بس مموهة شوية.
ومعاها رسالة:
”لسه عندك أمل تمسكي في راجل عمره ما كان ليكي؟”
حولت كل الحاجات دي للأستاذ مصطفى، المحامي الشريك في مكتب منى بنت خالتي.
رد عليا في ساعتها:
”استنيني بكره الصبح في المكتب يا دينا. لو الفرح ده حقيقي وحصل بعقد رسمي، فالموضوع هنا ميبقاش مجرد خيانة.. إحنا داخلين في قضية تانية خالص.”
وهنا فهمت إن أحمد مكنش بس مخبي عليا ست تانية..
ده ممكن جداً يكون متجوزها رسمي.
الجزء الثالث
تاني يوم الصبح، دخلت مكتب الأستاذ مصطفى وأنا ضامة الفايل لصدري بكل قوتي. منمتش ولا دقيقة. يوسف صحي بالليل 4 مرات يسألني لو كنت أنا كمان هسيبه وأمشي زي بابا.
الأستاذ مصطفى سمع التسجيلات، شاف الصور، قرأ الرسايل، واتكلم بهدوء خوّفني أكتر من أي زعيق:
— دينا، إحنا هنسحب شهادات من السجل المدني فورًا. لو أحمد اتجوز رانيا رسمي من غير ما يطلقك أو يثبت جوازه منك في القسيمة الجديدة، فده تزوير وجناية يعاقب عليها القانون. ده غير إن الشقة لو اشتراها وفيه بينكم “شراكة زوجية” أو بفلوس داخلة في حقك، فالموضوع مش هيعدي كدة وميقدرش يخفيها.
في نفس اليوم، بدأت ألم كل الورق الرسمي.
وفي وسط كل ده.. الباب رن.
بعد 7 سنين غياب، أحمد كان واقف قدام باب الشقة رقم 12 ليلة الجمعة. يوسف جرى على الباب كأنه كان مستني الرنة دي طول عمره:
— بابا!
أحمد كان واقف بقميص أبيض شيك، ريحة برفيوم غالي، وشنطة سفر صغيرة. كان شكله متغير.. أنظف، أشيك، وغريب عننا تمامًا.
يوسف جاب عربية المطافئ بتاعته ووراهاله بفرحة:
— أنا شيلت دي عشان نلعب بيها سوا لما تيجي.
أحمد يدوب طبطب على رأسه ببرود:
— كبرت وبقيت بطل يا يوسف.
وبس كدة.
محضنهوش. مسألهوش عن عياه وسخونيته. مسألهوش بيحب إيه، بيخاف من إيه، بياكل إيه، ولا حتى بينام كويس ولا لأ.
أول ما يوسف دخل الأوضة مع منى بنت خالتي، أحمد قعد قدامي وحط رجل على رجل:
— دينا، إنتي بتعملي حكاية من مفيش وبتمشي ورا كلام الناس واللت والعجن.
— ابن رانيا ده ابنك؟
بص في الأرض ومردش.
— جاوبني.. ابنك؟
— الموضوع معقد يا دينا..
— والشقة؟
— دي كانت قرشين شيلتهم كاستثمار.. كنت ناوي أكتبهالكم ليكم في يوم من الأيام.
ضحكت بمرارة وقهر:
— استثمار لينا؟ والست رانيا حامل وقاعدة فيها؟
هنا قلع الوش المؤدب وظهر على حقيقته:
— لولا القرشين اللي كنت ببعتهم لك كل شهر، مكنتيش إنتي ولا ابنك هتعرفوا تعيشوا وتلاقوا تاكلوا!
وقفت وبصيت في عينه من غير ما أرمش:
— أحمد.. إنت كنت بتبعت ألفين جنيه في الشهر! أنا اللي سددت ديونك وقروضك. أنا اللي دفعت قسط الشقة دي. أنا اللي شيلت ابنك على كتافي للمستشفيات. أنا اللي اشتغلت وأنا بنزف وتعبانة. أنا اللي كنت الأب والأم في نفس الوقت وإنت بتلعب دور العريس مع واحدة تانية هناك!
وقف ووشه أحمر من الغل:
— لو عاوزاها حرب يا دينا، عينيا.. بس متكونيش متطمنة أوي إن يوسف هيفضل معاكي.
في اللحظة دي، يوسف خرج من الأوضة وهو ماسك عربية اللعبة في إيده وبص لابوه:
— بابا.. إنت هتمشي تاني؟
أحمد بص في ساعته بملل:
— هنلعب وقت تاني يا حبيبي، بابا وراه شغل ومستعجل.
العربية البلاستيك وقعت من إيد يوسف على الأرض.
معيطش بصوت عالي.. بس سألني بصوت مكسور يقطع القلب:
— ماما.. هو بابا مش بيحبني؟
هنا، كل ذرة شفقة أو رغبة في فهم الأعذار ماتت جوايا تمامًا.
الحقيقة المرة
تاني يوم، الأستاذ مصطفى جاب الفاجعة: أحمد ورانيا متجوزين رسمي عند مأذون في قرية تابعة لمحافظة القليوبية من 3 سنين. وفي قسيمة الجواز، أحمد كاتب في خانة الحالة الاجتماعية: أعزب.
أعزب!
في الوقت اللي أنا فيه مراته القانونية على سنة الله ورسوله.
في الوقت اللي يوسف فيه ابنه الشرعي اللي راميه.
ركبت ورحت لـ حماتي، الحجة فاطمة، في بيتها في إمبابة. أول ما شافتني ارتبكت ووشها جاب ألوان:
— إنتي كنتي عارفة إن أحمد اتجوز رانيا يا حجة؟
سكتت.. وسكوتها كان أوضح من أي إجابة.
— يا بنتي افهميني — قالتها وهي بتتهرب من عيني — رانيا كانت حب عمره الأولاني، وابني مكنش قادر يعيش من غيرها. وإنتي ست أصيلة وحمولة وبتستحملي، قلت مع الوقت كل حاجة هتتصلح والامور هتمشي.
حسيت بغثيان وقرف من كلامها:
— كنت أصيلة وحمولة؟ يعني عشان بسد ديونكم وبربي ابنكم وبسكت على قلة القيمة أبقى أصيلة وأستحق تتداس كرامتي؟
بدأت تعيط عياط مصطنع:
— ده ابني يا دينا.. ضنايا.
— ويوسف ده مش حفيدك؟ ولا ده ابن الشارع؟
مردتش.
في نفس اليوم، شريف بعت لي صور فرحهم اللي كان على البحر في الساحل. رانيا بالفستان الأبيض، أحمد حاضنها، والحجة فاطمة قاعدة في أول صف ولابسة فستان سواريه ووردة على صدرها وسعيدة على الآخر.
مكنتش عارفة وبس.. دي حضرت الفرح وباركت الكدبة!
المواجهة الكبرى
الأستاذ مصطفى قدم دعوى طلاق للضرر، وطالب بنفقة زوجية ونفقة متعة، ونفقة صغار، مع تقديم طلب مستعجل للتمكين من شقة التجمع ومنع التصرف فيها أو بيعها.
لأن رانيا كانت بدأت تعرض الشقة للبيع فعلًا.
المنشور كان مكتوب فيه: “شقة لقطة للتنازل الفوري بأرقى مراحل التجمع الخامس، 280 متر، تشطيب ألتر سوبر لوكس، لدواعي السفر السريع.”
الصور كانت فيها نفس الستارة، نفس الأباجورة، نفس الصالة اللي كان بيقف يكلمني منها ويقولي إنه شقيان في الكويت.
روحت مع محضر من المحكمة وصاحب الشأن لإثبات الحالة. وفي مدخل العمارة الشيك، ظهرت رانيا ببطنها المنفوخة، ومعاها أبوها وأحمد. أحمد كان ساندها بكل حنان وحرص.. حنان عمري ما شفته منه مع يوسف وهو بيموت من السخونية.
رانيا بصت لي بقرابة وقرف:
— إنتي جاية ورانا لحد هنا عشان الفلوس؟ شحاتة يعني؟
— أنا جاية آخد حقي وحق ابني بالقانون.
— الشقة دي إنتي مدفعتيش فيها قرش واحد!
— أنا دفعت تمنها 7 سنين من عمري وصحتي وشقايا وتربية ابني لوحدي وإنتوا بتسرقوني.. والمحكمة هي اللي هتحكم تمن السنين دي كام.
رانيا حطت إيدها على بطنها وبدأت تصوت وتلم الناس:
— إنتي مش هتهدي غير لما تسقطي ابني وتخربي بيتي!
الناس والبوابين بدأوا يتجمعوا ويبصوا.
أخذت نفس عميق وقلت بكل ثبات:
— ابنك ملوش ذنب، ويوسف ابني ملوش ذنب. المذنب الحقيقي هو الراجل اللي واقف جنبك ده، وكل اللي شاركوه في الكدبة واستغلوا أطفال ملهمش ذنب عشان يداروا قذارتهم.
رانيا لأول مرة معرفتش تنطق بكلمة تسكتني.
بعدها بكام ساعة، صدر قرار المحكمة بوقف أي تصرف في الشقة ووضع صيغة تمنع بيعها لحين الفصل في القضايا.
أحمد اتجنن وحاول يعمل اللي المحامي بتاعي حذرني منه: حاول ياخد يوسف من مدرسته في شبرا من غير علمي.
مديرة المدرسة كلمتني وهي مخضوضة:
— يا مدام دينا، جوزك هنا وعاوز ياخد يوسف بالعافية، والولد منهار وبيعيط ومش راضي يمشي معاه أبدًا.
وصلت في 20 دقيقة زي المجنونة. يوسف أول ما شافني جرى واترمى في حضني وهو بيترعش:
— ماما.. مش عاوز أمشي معاه.. خليه يمشي!
أحمد جز على سنانه وقال بغل:
— أنا أبوه وليا حق آخده في أي وقت!
— الأبوة مش زيارة بتفتكرها لما تحب تضغط وتلوي دراعي بيها!
المديرة كانت ست حاسمة:
— الولد مش هيخرج من هنا غير بإذن والدته الرسمية، ولو سمحت اتفضل اخرج برا وإلا هطلب الأمن وشرطة النجدة فورًا.
أحمد مشي وهو بيتوعد، بس ليلتها يوسف نام وهو ماسك في هدومي بكل قوته وكأنه خايف يصحى ملقنيش:
— ماما.. أوعي تضيعي مني وتسيبي الشقة زي بابا.
الكلمة دي قطعت قلبي وشرخت روحي حتت.
نهاية المسرحية
بعدها بأيام، ظهرت شاهدة مكنتش على البال: أسماء، موظفة سابقة في مكتب توثيق الشهر العقاري اللي رانيا عملت فيه توكيل بيع الشقة. أسماء شهدت إن رانيا جابت ورق ممضي وجاهز من أحمد، وإن رئيس المكتب — اللي هو صديق شخصي لوالد رانيا — مشى الإجراءات بسرعة من غير ما يتأكد من حضور أحمد أو مطابقة التوقيعات بشكل قانوني سليم.
وقالت إنها سمعت والد رانيا وهو بيقول:
— لازم ننقل ملكية الشقة دي بسرعة قبل ما الست التانية ترفع قضايا وتطالب بحقها.
”الست التانية”.
ده كان لقبي عندهم. مش زوجة، مش أم، مش بني آدمة ليها حق.. مجرد عقبة وعقرب لازم يخلصوا منها.
يوم الجلسة في محكمة أسرة الزنّاري بشبرا، أحمد حضر ببدلة كحلي غامقة وعامل فيها دور الضحية المظلوم. وراه كانت الحجة فاطمة، شكلها متبهدل وتعبان.
لما القاضي سأل لو فيه مجال للصلح والتسوية ودياً، أحمد وقف وقال بكل تمثيل وخشوع:
— أنا كل همي ألم شمل عيلتي عشان خاطر ابني ومستقبله يا سيادة القاضي.
متحركش فيا شعور واحد غير القرف والاشمئزاز من تمثيله.
الأستاذ مصطفى تقدم بحسابات البنك اللي بتثبت تحويلات الألفين جنيه التافهة كل شهر، وفواتير المستشفيات، ومصاريف المدرسة، وقسم جوازه من رانيا بالتزوير وإثبات إنه “أعزب”.
هنا محامي أحمد طلع ورقة وقال بخبث:
— بس موكلي ليه طرف المدام إيصال أمانة بمبلغ 900 ألف جنيه، وممضي بخط إيدها وصابعها بالإبهام.
بصيت للورقة.. التوقيع كان شبه توقيعي بالظبط.. بس مزور.
الأستاذ مصطفى كان مجهز الرد ومستنيهم في الغلطة دي. طلب إحالة الإيصال للطب الشرعي (أبحاث التزييف والتزوير)، وقدم إيميلات ورسائل متبادلة بين أحمد ومحاسبة قانونية كان بيطلب منها تعمل له “فورمة وصل أمانة جاهز” ويبعت لها صورة توقيعي الممسوح ضوئيًا (سكانر) من على عقد إيجار قديم.
أول ما القاضي شاف المستندات دي، وش أحمد اتقلب وبقى لونه رمادي زي الأموات.
بعدها القاضي استدعى الحجة فاطمة للشهادة.
أحمد بص لأمه ببرق ورعب كأنه بيأمرها بعينه تسكت وتكدب.
الحجة فاطمة كانت بتترعش ودموعها نازلة بجد:
— أنا.. أنا مشفتش دينا بتاخد أي فلوس من أحمد يا سيادة القاضي.. أحمد هو اللي طلب مني أقول كدة عشان نخلص من القضية وننقذ الشقة.. أنا غلطت واستغفر الله العظيم، مش هقدر أكدب أكتر من كدة وأشيل ذنب حفيد يوسف.. يوسف حته مني برضه.
أحمد وقف وزعق بهستيرية في القاعة:
— يا أمي! إنتي بتقولي إيه!
بس خلاص.. كان وقت الكلام انتهى. الحقيقة دخلت القاعة وقفلت الباب وراها ومبقاش ينفع تخرج تاني.
شروق الشمس من جديد
المحكمة حكمت بتمكيني الفوري من شقة شبرا، وفرضت نفقة صغار محترمة تليق بمستوى دخله الحقيقي في ورشته وتجارته، وتم تجميد شقة التجمع وإدخالها ضمن تصفية مستحقاتي الزوجية، وتحويل قضية التزوير والجمع بين زوجتين للنيابة العامة لإجراء التحقيقات القانونية.
مصرختش من الفرحة ومطبلتش.
كان مجرد نفس عميق أخيرًا بيدخل صدري بعد 7 سنين من الاختناق والعيشة تحت المية.
بعد أسابيع، أحمد وقع على قسيمة الطلاق وهو مجبر ومكسور الجناح ومفيش قدامه حل تاني عشان يهرب من السجن بتهمة التزوير. شقة التجمع اتباعت بالتراضي وأخذت نص تمنها كاش كـ تسوية لحقوقي وحق يوسف، وشقة شبرا بقت ملكي أنا ويوسف تمامًا.
يوم ما وقع، بص لي في الطرقة برة القاعة وقال بمرارة:
— خربتي بيتي وضيعتي مستقبلي وهديتي كل اللي بنيته.
بصيت له بمنتهى الهدوء والراحة:
— أنا مهدتش حاجة يا أحمد.. أنا بس فتحت الشباك عشان الكل يشوف إن البيت ده كان مبني على قش وكدب وكان معفن ودايب من جوه.
الحجة فاطمة كلمتني بعدها بأيام وهي بتعيط وتطلب السماح. محظنتهاش ومسامحتهاش من قلبي بالكامل، بس مقلتش بأصلها ومحرمتهاش من يوسف. بقيت أخليها تشوفه في حديقة عامة قريبة مننا بس بحدود ومواعيد واضحة. جابت له في أول مقابلة عربية مطافئ تانية جديدة وشيك.. يوسف أخذها منها بس مجريش عليها وحضنها.
الأطفال مبينسوش الوجع بسهولة.. هما بيسامحوا بس بيقيسوا دايماً مين اللي فضل معاهم ومين اللي سابهم ومشي.
بالفلوس اللي أخذتها، وضبت شقتنا في شبرا. دهنت الحوائط بلون كريمي دافي ونظيف، غيرت الستائر القديمة اللي كانت مبهدلة، وجبت مكتب خشبي صغير لـ يوسف جنب الشباك، وزرعت نعناع وريحان في البلكونة عشان ريحة الشقة تبقى ديما حلوة ومنعشة.
في يوم، دخلت الأوضة لقيت يوسف بيرسم بيت كبير بالوان الخشب. راسم نفسه وراسمني واقفين قدام الباب بنضحك. وعلى مسافة بعيدة أوي من الرسمة، راسم راجل صغير بيشاور بإيده من بعيد.
— مين ده يا حبيبي؟ — سألته وأنا بمسح على شعره.
— ده بابا.
— وليه راسم بابا بعيد أوي كدة يا يوسف؟
هز كتافه ببراءة وقال بذكاء فطر قلبي:
— لما يجي في مواعيده وميغيبش تاني.. هبقى أرسمه قريب مننا.
ضحكت وعيني مليانة دموع.. وحضنته.
أحمد بقى يجي يشوفه كل فترة في النادي بمواعيد وساعات محددة. في مرة أحمد تأخر نص ساعة، فيوسف وقف قدامه وربع إيده وقال له بنبرة ناشفة:
— اللي يوعد بحاجة لازم يعملها يا بابا.. وإلا ميوعدش.
ماتدخلتش ومصلحتش كلامه.
كنت عاوزة ابني يكبر وهو بيعرف يقول اللي جواه وميخافش من حد، وميبلعش الوجع والظلم في سكات زي ما أنا عملت سنين طويلة من عمري.
فات سنة على الحكاية دي.
شقتنا لسه صغيرة.. وفي عمارة قديمة في زقاق من أزقة شبرا. لسه بنسمع خناقات الجيران وصوت بياعين الأنابيب والخضار في الشارع، والست أم فوزية وهي بتنادي من البلكونة لو محتاجين حاجة.
بس المكان ده مبقاش سجن.
بقى بيت حقيقي.
بيت دافي مفيهوش كدبة واحدة.
في ليلة رأس السنة، وقفت أنا ويوسف في البلكونة نتفرج على الألعاب النارية وهي بتملا سما القاهرة بالوان مبهجة. حط رأسه على كتفي وسألني:
— ماما.. هو أنا لما أكبر هسافر بعيد زيه وأسيبك؟
ضميته لصدري وبست رأسه:
— كل الناس بتكبر يا قلب ماما وبتعمل طريقها وحياتها.. بس في أي مكان هتروح له، عيش بضمير ونظافة. لو حبيت، حب بكرامة ودق بأصل. لو وعدت، وفي بالوعد. ولو غلطت، خلي عندك شجاعة وقول الحقيقة ومتهربش.
يوسف فكر شوية وبص للسما وقال:
— أنا عمري ما هخلي حد يستناني 7 سنين يا ماما.
دموعي نزلت وحضنته بكل قوتي.
أنا خسرت جوز كداب ومخادع.. بس كسبت نفسي في الحقيقة والنور.
وساعات، بالنسبة لست كانت فاكرة إن الدنيا اسودت ومفيش مخرج.. دي بتكون أحسن وأجمل نهاية ممكن تعيشها وتتمناها في الدنيا.
تمت