حنة اخت جوزي ٢ – منى السيد

حماتي فضلت متنحة، إيدها متيبسة جوة إيدي وعينيها مبرقة في الترابيزة الكبيرة اللي محطوطة على يمين الممر.. مش قادرة تصدق، ولا عقلها مستوعب المنظر.
قاعد هناك عم العروسة الكبير اللي متغرب في الكويت بقاله سنين، بجلالة قدره وهيبته وبدلته الشيك، وجنبه ولاده التلاتة ببدلهم الكاملة، وحواليهم شيوخ وكبار عيلة حماها الله يرحمه اللي كانت بينها وبينهم قطيعة من سنين طويلة بعد موت الأب وخلافات قديمة على الميراث.. الناس دي كلها قاعدة، وقدامهم الصواني والمشاريب، وأول ما لمحوا حماتي والعروسة، قاموا كلهم وقفة راجل واحد!
الصدمة التانية بقى.. كانت في الترابيزة اللي وراهم علطول!
أخت حماتي الكبيرة! أيوه، هي بلحمها ودمها، قاعدة في نص القاعة لابسة فستانها السواريه، وجنبها باقي الإخوات والولاد، ووشوشهم زي اللوح الخشب، مش عارفين يبصوا فين من كسفة عينهم وخجلهم! الناس اللي حلفوا ميعتبوش الفرح، قاعدين مطاطيين راسهم كأن على رؤوسهم الطير، وعينيهم عمالة تتلفت يمين وشمال كأنهم بيدوروا على جحر يستخبوا فيه!
حماتي بصتلي بذهول، شفايفها بتترعش ومش قادرة تنطق، لفت وشها لجوزي وقالت بصوت طالع من قعر قلبها هو إيه ده يا بني؟ أنا بحلم ولا ده حقيقي؟ عمك جه إمتى من السفر؟ وخالاتك اللي حلفوا يكسروا فرحة البت إيه اللي جابهم هنا وقعدهم بالقهرة دي؟
جوزي ابتسم ابتسامة هادية كلها شموخ، وباس راس أمه قدام القاعة كلها، وقالها بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين ارفعي راسك يا أمي.. بنتك أبوها مات، بس ساب وراه رجالة، ومات وساب عيلة وأصول مبتنساش الواجب مهما بعدت المسافات ومهما فرقتنا الأيام.
حماتي عينيها دمعت، والعروسة شهقت من الفرحة وجريت على عمها رمت نفسها في حضنه، الراجل حضنها بحنية الدنيا وقال في المايك اللي جابه الدي جي مخصوص ألف مبروك يا بنت الغالي.. عمك كان ممكن يلف الدنيا كلها، بس ميجيش اليوم اللي بنته تتكسر فيه ولا تفتكر إن مالهاش ضهر يسد عين الشمس.. إحنا ضهرك وسندك ليوم الدين.
القاعة كلها اتهزت بالتسقيف والصفير، الزغاريد رجت السقف، والناس بدأت تتدافع عشان تسلم وتهني.
أنا وجوزي وحماتي وقفنا على جنب شوية عشان تفهم إيه اللي حصل بالضبط وإزاي المأتم ده اتقلب لفرح أسطوري كده. جوزي خد نفس طويل وبص لأمه وقال اسمعي يا أمي.. امبارح لما مراتي كلمتني وحكتلي المهزلة اللي عملتها خالتك في الحنة، حسيت إن ناري قايدة، بس كلام مراتي كان عين العقل.. قالتلي مش وقت خناق ولا ضرب، الفرح بكرة ولازم نرد بالأصول اللي توجع بجد.
أول ما قفلت معاها، رنيت فوراً على عمي في الكويت، قولتله يا عمي، بنت أخوك المرحوم فرحها بكرة، وفي ناس قرايب من ناحية أمي نزلوا كسروا بخاطرها وقالوا مالهاش ضهر ومهددين يقاطعوا الفرح عشان القاعة تبان فاضية وأهل العريس يعايروها.. وأنا راجل واحد، وعمي هو كبيرنا بعد أبونا.
عمي قالي كلمة واحدة اقفل يا بني وجهزلي عربية تستناني في المطار الصبح. عمي حجز أول طيارة فجر، ونزل مصر مخصوص عشان الليلة دي! وأول ما وصل الصبح، كلم كبارات العيلة كلهم في البلد، وقالهم بنت أخونا بتتجوز الليلة، واللي ملوش أصل فيكم يقعد في بيته، إنما ولاد الأصول يتجمعوا ورايا.. جم كلهم في عربيات ميكروباصات ملايين الصعيد وناس تشرف بلد كاملة!
حماتي حطت إيدها على قلبها وقالت بدموع يا ألف نهار أبيض.. كتر خيره وخير أصله، طب وخالاتي يا بني؟ إيه اللي رماهم هنا وجابهم يقعدوا بالقهرة دي بعد ما شمتوا فيا وفي بنتي وحلفوا بالطلاق ما يدخلوا؟
هنا جوزي ابتسم بنص بقه وبصلي، وقال لأمه دي بقى تسألي فيها مرات ابنك اللي تفكيرها يوزن بلد.. هي صاحبة الخطة اللي جابتهم يزحفوا على بطونهم لحد هنا.
حماتي لفتلي وعينيها كلها لمعة امتنان عملتي إيه يا بنتي؟ ريحي قلبي وفهميني!
ضحكت وبوست إيدها وقولتلها يا ماما، الناس دي مش بيمشوا بالأصول ولا بالذوق، الناس دي بيمشوا بالخوف من الفضيحة والمظاهر الكدابة! امبارح لما وزعت المية رغيف حواوشي على الجيران بتوع الشارع كله وبتوع العمارة، الكل عرف إن خالتها الكبيرة هي اللي اتندلت وخلفت وعدها وجاعت المعازيم، وسيرتها بقت على كل لسان في المنطقة كلها وبقت فضيحة مجلجلة.
بعدها بالليل، لما عم جوزي نزل ووصل الشقة الصبح، عرفت إنه جاي ومعاه هيبة ورجالة تشرف، قومت مكلمة خالي الصغير، الوحيد اللي فيه ريحة العقل فيهم، قولتله يا خال، بلغ أختك الكبيرة إن عم العروسة جه من الكويت مخصوص بالهدايا والشياكة، وعازم معاه ناس تقال ومستشارين وأصحاب أعمال، وإن العيلة كلها محطوطة في كفة واحدة قدام الناس. وبلغها إن الكراسي مش هتفضى زي ما كانت فاكرة، بس لو حد سأل عم العروسة فين خالاتها التانيين، هيتقال الحقيقة كاملة في الميكروفون قدام ألف بني آدم.. هيتقال إنهم غدروا بيها في ليلتها عشان حتة لقمة!
خالي راح بلغهم، وطبعاً أختها الكبيرة جالها جنان! خافت من عمها اللي كلمته سيف، وخافت من الفضيحة قدام معارف البلد كلها، وفوق كل ده عرفت إن كيدها رجع في نحرها وإن الفرح هيتملي من غيرها وهتبقى هي اللي خسرت كل حاجة وبانت وراحت في الرجلين. فجم غصب عن عينهم، جم عشان يداروا خيبتهم وخوفهم من إن حد يفتش وراهم!
حماتي

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *