دفعت تمن الشقه٢ – منى السيد
الفصل الثالث والأخير
خطواتي على سلالم القسم كانت تقيلة، بس مش مكسورة. الرطوبة وريحة الورق القديم، وصوت الدفاتر اللي بتتقلب في نوبتجية قسم أول التجمع، كل ده كان بيصحيني من وهم كنت عايشة فيه لسنة كاملة.
وصلت عند باب القسم، ولقيت عربية والدي ال 128 القديمة بتركن على جنب. نزل منها بضهره المحني شوية وبدلته المكوية اللي مبيحضرش بيها غير المناسبات الكبيرة. وشه كان مخطوف، وعينيه تايهة بتدور عليا. أول ما شافني بالعباية السودا وخدي لسه محمر وفيه كدمة خفيفة مزرقة، شفايفه ارتعشت وعينيه لمعت بدموع عاجزة ميادة؟ بنتي! عملوا فيكي إيه يا ضنايا؟ طارق مد إيده عليكي؟ أنطقي يا بنتي في إيه؟!
مسكت إيد والدي وبوستها، وحسيت برعشة إيده اللي سانداني طول عمري. بلعت ريقي وبصيت في عينه بثبات أنا كويسة يا بابا طول ما أنت واقف جنبي. بس اللي عملوه ميتسكتش عليه، وكرامة شقاك وشقايا مش هنسيبها للكلاب تاكل فيها. ادخل معايا واثبت، أنا مش هسيب حقي بسنتيمتر واحد.
دخلنا النوبتجية، وقعدنا قدام أمين الشرطة، ومنه دخلنا لمكتب رئيس المباحث بعد ما مشرف أمن الكومباوند بعت تقرير بالواقعة مع أفراد الدورية اللي كانوا جم ولقوني نازلة. قعدت، وطلعت من شنطتي الفلاشة، وعقد البيع المسجل، وبطاقتي، وإيصالات تحويل فلوس البنك اللي تثبت إن كل مليم ادفع كان من حسابي وحساب والدي.
الظابط سمع بهدوء، وشاف الفيديو كامل. شاف القلم اللي طيّر روحي، وتكتيفة طارق لإيدي، وبجاحة كارما، وصوت حماتي وفاء وهي بتقول بعلو صوتها دي شقة ابني وعفش ابني وإنتي اللي هتخرجي بهدومك!
الظابط نفخ بضيق، وهز راسه دي جنحة تعدي وضرب صريح مثبت بالتصوير، ومعاها شروع في الاستيلاء واقتحام مسكن، وفوق كل ده تقرير أمني رسمي. إحنا هنحرر المحضر حالاً، وهنبعت نجيب الست وابنها وبنتها لأخذ أقوالهم، بس الأول لازم تروحي مستشفى القاهرة الجديدة نعمل تقرير طبي عاجل يثبت الكدمات والسحجات اللي في وشك وإيدك.
روحنا المستشفى، التقرير الطبي طلع بكل دقة كدمة رضية بالوجنة اليسرى، وسحجات متفرقة بالمعصمين نتيجة تقييد عنيف، ووجود وذمة خفيفة تستوجب علاجاً وراحة. الورقة دي كانت المسمار الأول في نعش طارق وأمه.
رجعنا القسم، وفي خلال ساعتين، كانت البوكس جايبة طارق وأمه وفاء من شقتهم القديمة في دار السلام.
المنظر مكنش يتعوض.
وفاء داخلة شايطة، طرحتها معوجة، وبتزعق في الصالة يا بيه إحنا ناس شرفا! دي بنت فاجرة وعاوزة تتبلى علينا، دي مرات ابني وسرقت فلوسه وعفشه وطردتنا في الشارع! وطارق وراها، وشه ميت، عينه في الأرض، وكل ما حد من الأمنا يبصله يتدارى زي الحرامي. هيبته الموظف المحترم اللي كان عامل بيها راجل وقعت كلها في تراب مدخل القسم.
الظابط نادى عليهم في المكتب.
أول ما دخلوا وشافوني قاعدة جنب والدي وكوباية المية في إيدي، وفاء اتعفرتت وكانت هتهجم عليا، بس عسكري الحراسة وقف في وشها ونهرها الزمي مكانك يا ست انتي! إنتي في مكتب حكومة مش في حارة!
الظابط رمى التقرير الطبي والفلاشة قدام طارق إيه رأيك في الكلام ده يا أستاذ طارق؟ مراتك متهمة والدتك بالاعتداء الجسدي والسب، ومتهمة أختك باقتحام الشقة عنوة، ومتهماك بالاشتراك والمساعدة وتقييد حريتها، وكل ده متصور صوت وصورة بجودة 4K.
طارق اتلجلج، ريقه نشف، وصوته طلع مخنوق زي الفار المزنوق في مصيدة يا فندم.. دي.. دي مشاكل أسرية بتتحل بين الأهل.. إحنا متجوزين رسمي، والشرع بيقول شقة الزوجية من حق الزوجين..
والدي هنا مكنش قادر يسكت أكتر من كده، خبط بإيده على المكتب خبطة رنت في الأوضة، والراجل العجوز الهادي اتحول لأسد بيحمي بنته شرع مين يا عديم النخوة؟! شرع مين اللي يخليك تكتف بنتي عشان أمك تدوس عليها؟! دي قعدت 7 سنين في الشمس والحر عشان تجمع الجنيه على الجنيه، وأنا طلعت دم قلبي ومكافأة معاشي عشان أسترها، وأنت جاي بهدومك وشنطتك المقطوعة عاوز تاخد شقاها بالساهل؟! ده أنت لو فيك ريحة الرجولة كنت انتحرت قبل ما تمد إيدك على ست بيتك وشيلتها فوق راسك!
وفاء لفت لطارق وبصت له وقالت بصوت مفضوح اخرس يا طارق متتكلمش! متسيبش حقك! يا بيه الشقة دي اتفرشت من فلوس ابني، والشبكة هو اللي جايبها، والقايمة هو اللي ماضي عليها!
الظابط ابتسم بسخرية، وطلع الورق اللي أنا مقدماه أولاً مفيش قايمة، المدام موضحة إنها مكنتش عايزة تمضيه على قايمة لأنها جايبة كل حاجة بنفسها وعندها فواتير المحلات من أول مسمار لحد التلاجة والتكييفات باسمها هي شخصياً. ثانياً العقد مسجل باسمها هي وبأموالها الخاصة قبل كتب الكتاب، يعني مش شقة زوجية بالمفهوم اللي يسمحلك تستولى عليها. ثالثاً الفيديو هنا مفيهوش مشاكل أسرية، فيه شروع في ابتزاز واعتداء صريح. والمحضر ده لو اتعرض على النيابة بكره الصبح، مامتك هتتحبس على ذمة التحقيق عشان واقعة التعدي، وأنت يا أستاذ وظيفتك في الحي هتتأثر لأن هيتبعت إخطار لجهة عملك بواقعة جنحة مخلة بالشرف والأمانة.
كلمة إخطار جهة العمل كانت زي الصاعقة اللي نزلت على دماغ طارق. طارق طول عمره جبان، بيحب المظاهر، وأقصى طموحه يترقى مدير إدارة في الحي ويفضل يتباها قدام قرايبه. وشه اصفر، وبدأ يعرق بغزارة، وبص لأمه بعتاب وغضب أول مرة أشوفهم منه أنا قولتلك يا ماما! قولتلك بلاش ندخل الشقة كده! ضيعتي مستقبلي وضيعتي الشغل!
وفاء اتصدمت من رد فعل ابنها أنا ضيعتك يا عاق؟! أنا اللي كنت عاوزاك تعيش راجل وليك شقة ملك وراس مال بدال ما تعيش مذلول؟! أهي خربت على دماغي ودماغك! صرخ فيها طارق قدام الظابط والأمنا، وكل المسرحية بتاعت ابني حبيبي اللي بيحبني وبار بيا اتفرتكت في ثانية. الاتنين بقوا بياكلوا في بعض عشان كل واحد ينجي رقبته.
الظابط زعق فيهم بس أنت