دفعت تمن الشقه٢ – منى السيد
لمحة نيوز
وهي! صوتكم ده ميعلاش هنا! قدامكم حل من اتنين إما المحضر يمشي نيابة والكلابشات في إيدكم وتتحولوا مسجونين، وإما المدام تقبل الصلح لو عندكم استعداد تدفعوا تمن اللي عملتوه.
أنا اتعدلت في قعدتي، وبصيت لطارق بثبات وبرود كان هو أكبر عقاب له. قولت للظابط يا فندم، أنا مش هتنازل عن حقي الجنائي إلا بشروط مكتوبة وموثقة هنا قدام حضرتك وبإشراف النيابة.
طارق جرى عليا، وكان هيرمي نفسه على رجلي قدام أمه ميادة.. أبوس إيدك، شوفي أنتي عايزة إيه وأنا هعمله.. بلاش النيابة، بلاش أفقد شغلي، أنا مليش غير الوظيفة دي، وأمي ست كبيرة مش حمل الحبس!
بصيت له بقرف ومردتش عليه، وجهت كلامي للمحامي بتاعي اللي كان وصل وانضم لينا شروطي واضحة يا أستاذ
طلقة بائنة في ساعتها قدام المأذون، مع إبراء كامل من أي حقوق مالية ليا عليه، وتنازل كامل منه عن أي دعوى طاعة أو حبس أو ادعاء بمشاركتي في الشقة.
وصل أمانة ب 50 ألف جنيه يكتبه حالا تعويض عن التلفيات اللي حصلت في باب الشقة والأجهزة والبهدلة اللي عملوها، ويكون ده شرط إسقاط حقي في محضر التعدي.
تعهد بعدم التعرض من الست وفاء وبنتها كارما ومن طارق نفسه، ولو حد فيهم فكر يقرب من محيط الكومباوند أو محيط مدرستي، المحضر الجنائي يرجع يشتغل فوراً ومعاه تهمة التهديد.
وفاء كانت هتصرخ وتقول 50 ألف منين يا مفترية! بس طارق كتم بقها بإيده بكل قسوة وعنف، وقال وهو بينهج موافق! موافق على كل حاجة! هاتي الورق يا بيه، هاتي الدفاتر، أنا هطلق دلوقتي وهكتب الوصل حالا وأختم عليه!
في نفس الليلة، وفي مكتب المأذون القريب من القسم، رمى طارق اليمين أنتي طالق بالتلاتة يا ميادة. الكلمة مكنتش وجع، الكلمة كانت صوت كسر السلاسل اللي كانت هتربطني بالسجن ده طول عمري. خدت قسيمة الطلاق، ومعاها إقرار بعدم التعرض، وتنازل رسمي موثق، ووصل الأمانة.
خرجت من القسم الساعة كانت داخلة على الفجر.
الهواء كان بارد، والسما بدأت تفتح بلون رمادي هادي. والدي مسك إيدي وحطها على صدره حقك رجعلك يا بنتي، وكرامتك فوق راس الكل. الشقا الحلال عمره ما يضيع، وربنا نجدك من البير ده في أول يوم بدل ما كنتي تدفني شبابك مع ناس ميعرفوش ربنا.
رجعت شقتي.. الشقة اللي دفعت فيها كل مليم من عرقي.
أول ما حطيت المفتاح في الباب، محستش بالخوف ولا بالخنقة. دخلت، نورت النور، بصيت على الصالة الواسعة والستاير والفرش. كانت الشقة نضيفة، هادية، مفيش فيها نفس خبيث ولا صوت بجح ولا طمع مستخبي ورا كلام معسول.
دخلت أوضة النوم، غيرت الملايات اللي كارما كانت رمت نفسها عليها بجزمتها، غسلت الأرضيات بمية ومطهر، وفتحت الشبابيك كلها عشان يدخل هواء الصبح النقي ويطرد كل طاقة سلبية كانت في الحيطان.
قعدت على السرير، بصيت على قسيمة الطلاق وبطاقة ملكية الشقة اللي مكتوب فيها اسمي لوحدي ميادة عبد الرحمن.. المالك الوحيد. ابتسمت بدمعة نزلت على خدي، دمعة راحة مش دمعة حزن.
الأيام اللي بعد كده كانت سريعة ومليانة ترتيبات جديدة.
طارق، بعد أسبوع واحد من الطلاق، الفضيحة كانت وصلت للحي بطريقة غير مباشرة؛ زمايله عرفوا إنه اتقبض عليه في نوبتجية القسم وهو بيحاول يستولى على شقة مراته، والمدير نقله لفرع بعيد في أطراف المحافظة في وظيفة أرشيف ملهاش أي قيمة ولا هيبة، وفضل عايش في شقة أمه الضيقة في دار السلام، بيسدد في ديونه وقروضه اللي مكنش عارف هيسدها إزاي بعد ما كان متوقع إني هشيل عنه مصاريف البيت وأدفع له أقساطه.
أما كارما، فخطيبها القديم لما عرف باللي حصل في القسم وبجاحتها اللي وصلت لمحاضر شرطة، عمل لها بلوك من كل حتة ومسح نمرتها، وفضلت قاعدة في وش أمها، لا شغلة ولا مشغلة، يندبوا حظهم ويتحسروا على صيدة العمر اللي فلتت من إيديهم بغبائهم وطمعهم وعماهم. وفاء بقت كل ما تبص لطارق وهو راجع شقيان ومتبهدل في المواصلات عشان يروح أرشيف الحي، تفتكر بنتي اللي كانت هتسترهم وتعيشهم في عز، بس النفوس الردية ملهاش في النعمة نصيب.
أما أنا.. فالحياة بدأت تبتسم لي بجد.
نزلت مدرستي بعد أسبوعين إجازة، رافعة راسي، مبتسمة، بكامل طاقتي. تلامذتي الصغيرين استقبلوني بالورد وكانوا ماليين الفصل بهجة. وبدل ما كان مرتبي بيروح في جمعيات عشان أسدد مصاريف فرح ومظاهر كدابة، بقيت بركز في شغلي وبدي دروسي وبسدد قسط الشقة وأنا مرتاحة ومستقرة، ومفيش حد كاسر عيني ولا باصص في لقمتي.
والدي ووالدتي بقوا بييجوا يقضوا معايا الويك إند في التجمع، نقعد في البلكونة نشرب الشاي بالنعناع ونبص على الجنينة، وبابا يضحك ويقولي شفتي يا ميادة؟ ربنا لما بياخد بيبقى عشان يحمي، ولما بيدي بيدي بغير حساب. الشقة نورت بأهلها الحقيقيين.
بعد سنة كاملة من اليوم ده، كنت سددت جزء كبير من القرض بدري عن ميعاده، واترأيت في المدرسة وبقيت وكيلة مرحلة، وعملت صداقات حقيقية في الكومباوند مع ناس شبهي، ناس محترمين بيقدّروا قيمة الست اللي بتبني نفسها بنفسها ومن عرق جبينها.
وقفت في نفس البلكونة اللي كان طارق وأمه عايزين يستولوا عليها، وبصيت للسما الصافية وقولت من كل قلبي الحمد لله.. ربنا ما بيضيعش شقا حد، والنهاية العادلة مش إنك تنتقم بإيدك، النهاية العادلة إنك تسيب النفوس الطماعة تاكل في بعضها، وتفضل أنت واقف على أرضك الثابتة، حر، ومرفوع الراس، ومستور بفضله.
النهاية