قولي لامك تجهز بط وممبار

​— مي، هاتي القهوة بالكتير والتلوج. وقبل ما نمشي، اقطعي لنا كام كيس خس، وطماطم، ونعناع. عايزة أخد معايا لنهى وأنا مروحة.
​— من عنيا — قولت — أصلاً إحنا مجهزين كل حاجة عشان تاخدوا معاكم حاجات كتير وأنتوا ماشيين.
​أمي وقفت وتنحنحت كدة عشان تلفت الانتباه:
​— يا ستات، نورتونا والأكل يا رب يكون عجبكم. دلوقتي بقى ندخل على الجزء التاني.
​طنط ميرفت حواجبها اترفت باستغراب:
​— جزء تاني إيه?
​— الحساب والدفع.
​واحدة من الستات ضحكت بتهكم:
​— دفع؟ هو أنتي هتحاسبينا وتتطلبي فلوس؟
​— لأ مش فلوس — أمي ردت — في البيت ده، اللي بياكل من خير الأرض، بيساعد الأرض.
​في اللحظة دي ظهر كريم وهو شايل طشتين كبار مليانين بنطلونات واسعة مشجرة، وطواقي خوص، وجوانتيات كوشوك، وشباشب بلاستيك.
​— يا ستات، معانا مقاسات مختلفة. عشان الكعب العالي بتاعكم ميبوظش.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​السكوت اللي خالص حصل كان يتاكل حاف من كتر حلاوته.
​— أنت بتهزر يا كريم؟ — حماتي قالت بنبرة صدمة.
​— لأ يا ماما مش بهزر. أنتي كنتي عايزة توري صاحباتك عيشة الريف والأرض، أهي عيشة الريف قدامكم اهي.
​— أنا مش هنزل الطين والزرع باللبس ده.
​— ما أنا عشان كدة جبتلك بنطلون عليه عباد شمس، هيليق جداً مع شخصيتك.
​واحدة من صاحباتها حطت إيدها على عقدها بصدمة:
​— ميرفت، هي دي الخروجة والفسحة اللي قلتي لنا عليها؟
​حماتي حاولت تقوم:
​— إحنا ماشيين.
​— البوابة الكبيرة مقفولة بالجنزير — كريم قال بكل برود وهدوء — مش حبس ليكم، لأ بس عشان لو اتسابت مفتوحة مواشي البقر بتاعة الجيران بتدخل تبوظ الزرع. بس قبل ما تمشوا، اقلها ساعدوا في لم الحاجة اللي أكلتوا فيها.
​في نفس الدقيقة دي، وصلت عربية طنط إنصاف، رئيسة جمعية تنمية المجتمع في القرية، ومعاها 12 ست من ستات البلد. دول كانوا صاحبات أمي، ستات شداد، فرفوشين، وعندهم صحة وعافية من شيل الشكاير والشغل.
​— يا شادية! — طنط إنصاف زعقت — جينا نتفرج على الستات الشيك اللطاف اللي كانوا عايزين ياكلوا ببلاش.
​طنط ميرفت وشها جاب ألوان والدم هرب منه.
​— ومين اللي قالكم الكلام ده؟
​— الريح بتنقل الكلام يا هانم — طنط إنصاف ردت — وفي الريف والأرض، الكلام بيزرع ويكبر بسرعة.
​ستات البلد نزلوا الأرض وبدأوا يشيلوا النجيل والحشيش بسرعة تخلي أي حد ينبهر. بعدين بصوا لضوافر الستات المعزومين الطويلة.
​— يا لهوي، الإيدين دي متنفعش للطورية والأرض — واحدة منهم قالت — دول يروحوا على غسيل المواعين والحلل أحسن.
​أمي ابتسمت:
​— والحلل والطشوش موجودة وجاهزة.
​خدناهم على الحوض والمغسلة اللي ورا. هناك كانت الحلل الكبيرة السودة من نار الطبخ، والصواني المدهنة، والأطباق، والكوبايات، والمغارف. سلمتهم جوانتيات بينك وسلك ألومنيوم خشن.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​— لو الأرض مش هتعرفوا تشتغلوا فيها، المطبخ موجود. الإتنين شغل وفيهم بركة.
​حماتي بصتلي وكأنها عايزة تولع فيا بجاز:
​— مي، الحركة دي هتدفعي تمنها غالي أوي.
​— مش أغلى من غدوة بط وممبار لـ 9 أفراد — رديت عليها.
​لو عايزين تعرفوا حماتي انتهى بيها الحال إزاي وهي بتغسل الحلل وصاحباتها عمالين يأنبوها ويوبخوها إنها كدبت عليهم في موضوع “عزبة ابنها”، كملوا قراية، عشان هناك البرستيج والمنظرة بتاعتها وقعت خالص…
​الجزء الثالث والأخير
​في الأول كانوا بيغسلوا المواعين بقرف كأن الحاجه بتعضهم. ست ماسكة الطبق بصوبعين بالعافية. وست تانية بتدعك الحلة من برة وسايبة الدهون جوة زي ما هي. طنط إنصاف وقفت جنبهم وهي ماسكة خرطة بطيخ في إيدها وبتأكل:
​— لأ لأ لأ.. مش كدة الغسيل يا هوانم. هو أنتي في بيتك بتفرجي الطبق على الصابون بس؟
​ستات البلد فضلوا يضحكوا، وصاحبات حماتي وطوا راسهم في الأرض من الكسوف.
​— ادعكي بضمير يا أبلة — طنط إنصاف زودت — الدهون دي مش هتمشي بالنية والتمني.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​كريم، بوش خشب وجدية تامة، كان بيستلم الأطباق ويمحصها كأنه مفتش صحة.
​— يا طنط كوثر، الطبق ده لسه فيه رز لزق مطلعش.
​— أنا مش خدامة عندك هنا! — زعقت الست.
​— ولا مامي كانت صاحبة البيت ده — رد عليها — ومع ذلك اتفشخرت بيه وقالت ملكها.
​الكلمة دي نزلت عليهم زي الصاعقة. صاحباتها كلهم لفوا وبصوا لطنت ميرفت:
​— يعني إيه البيت مش بتاع ابنك؟!
​— لأ طبعاً بتاع عيلتنا — حماتي لجلجت وتلعثمت — ما ابني عايش هنا.
​— العيشة حاجة والشرا حاجة تانية يا حبيبتي — أمي ردت عليهم وهي واقفة في التراس فوق — العقد والملك باسمي أنا بقاله 30 سنة.
​واحدة ست كانت لابة فستان أخضر قلعت الجوانتي ورمته بعصبية:
​— ميرفت، أنتي قولتي لنا إن كريم اشترى عزبة كبيرة.
​— وقلتي إن مرات ابنك هتموت وتخدمنا وتعملنا الأكل عشان بتموت فيكي — التانية زودت.
​— وقلتي إننا هنيجي نأنتخ في التراس، مش نغسل حلل وطشوش كأنه عقاب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​حماتي جزت على سنانها:
​— جرى إيه يا جماعة متبقوش مأفورين، ده سوء تفاهم.
​— لأ مش سوء تفاهم — أنا قولت — دي كانت كدبة كيرة ومتغمسة ببط وممبار.
​كريم مكنش قادر يمسك نفسه من الضحك وفضل يكح عشان يديرها.
​قعدوا ساعتين كاملين يغسلوا في أطباق، وصواني، وحلل عملاقة. بلوزاتهم الشيك اتملت طرطشة دهون ومية ببريل، وتسريحات شعرهم باظت ونزلت من العرق، وكعوبهم العالية اتركنت في زاوية جنب شباشب بلاستيك مليانة طين. الشنط الماركات كانت محطوطة على بنك بعيد عن الحوض، كأنها شاهد صامت على الوجاهة الاجتماعية اللي اتمسح بيها الأرض.
​لما خلصوا خالص، طنط إنصاف عاينت أخر حلة:
​— تمام، مقبول. كدة تقدروا تمشوا ومعاكم شهادة محو أمية في الشغل الريفي.
​الستات مضحكوش، كانوا هيموتوا من التعب.
​كريم ظهر وهو شايل 3 أكياس سودا مليانة خس، وطماطم، ونعناع.
​— اتفضلوا الخضار الأورجانيك اللي طلبتوه عشان تاخدوه معاكم.
​— مش عايزة زفت — كوثر قالت.
​— ولا أنا عايزة حاجة — التانية زودت — ويا ميرفت، إياكي تفكري تعزمينا تاني في “عزبتك” دي.
​— ولا أنا، خليتي شكلنا وحش وكأننا جايين ناكل ببلاش ونتطفل.
​— ومن النهاردة أنتي برة الجروب بتاع النادي والشلة — الست اللي لابة فستان أخضر حسمت الأمر.
​طنط ميرفت فتحت بقها بصدمة:
​— هتقاطعوني وتخسروني عشان حتة حكاية تافهة زي دي؟
​— مش عشان الحكاية.. عشان أنتي كدابة.
​واحدة ورا التانية خدوا حاجتهم، وغيروا هدومهم زي ما قدروا، ومشوا ناحية العربيات من غير ما يبصوا وراهم. في منهم من كتر الاستعجال والكسوف ممشوش إيديهم بالصابون كويس. حماتي فضلت واقفة في نص الحوش، وشها أحمر دم من الغل والكسوف.
​— أنتي — قالتلي وهي بتشاور بصابعها عليا — أنتي اللي رتبتي لكل ده عشان تذليني وتهزأيني.
​— لأ يا طنط ميرفت. أنتي اللي رتبتي وجيتي عشان تذلي أمي وتصغريها ببيت مش بتاعك ولا بتاع ابنك. أنا كل اللي عملته إني قدمتلك خدمات ترفيهية شاملة الرحلة.
​— أنتي حية وحرباية.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​كريم وقف في وشها وقطع كلامها:
​— متتكلميش مع مراتي بالطريقة دي.
​— أنا أمك!
​— وروزا هي صاحبة البيت ده. وهي كمان عيلتي وأمي. لو فكرتي تاني تتفشخري بحاجه مش بتاعتك أو تتأمري وتطلبي أكل كأن عندك جواري وخدامين، رجلك مش هتعتب المكان ده تاني.
​طنط ميرفت سكتت خالص، مكنشت متعودة إن ابنها يقف في وشها ويحجمها كدة.
​— أنا ماشية. بس الموضوع ده مش هيعدي بالساهل.
​— مش هتاخدي الخضار بتاعك؟ — سألتها.
​— خدي الخضار ده حطيه في أي داهية!
​ركبت عربيتها وهي لسه لابة الشبشب البلاستيك في رجلها. والكعب العالي بتاعها اتنسى تحت التربيزة. كريم شاله بصوبعين:
​— بكرة هبعتهولها في شحن. وهكتبلها ورقة: “تذكار من تجربتك في الأرض والريف”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​لما أخر عربية مشيت ولمت وراها تراب، الحوش رجع هادي وفي سلام. ستات البلد والمنطقة قعدوا تحت الشجرة وأمي غرفت لهم شوربة دافئ باللي بقى من الأكل. ومحدش مشي من غير كيس الخضار بتاعه. بس على عكس التانيين، دول كانوا يستاهلوه بجد من قلبهم عشان تعبوا وضحكوا وساعدوا بجد.
​على الليل، لما البيت رجع هادي خالص، قعدنا إحنا التلاتة في التراس. أمي سخنت بقية الأكل والرز وأكلنا في أطباق بسيطة، وإحنا بنبص على الجو الهادي بالليل.
​في اللحظة دي موبايلي رن. كانت نهى.
​فتحت الاسبيكر.
​— مي، أنتي عملتي إيه في ماما؟ راجعة البيت بتعيط وضهرها مكسور وصاحباتها كلهم عملوا لها بلوك!
​— أهلاً يا نهى — قولت — أكلناها، وفرجناها على الأرض، ووفرنا لها جوانتيات جديدة شغل فاخر.
​— متستهبليش! أنتي نزلتيهم يغسلوا مواعين وحلل.
​— أنا كمان سامع يا نهى — كريم دخل في الخط — وأنا بنفسي اللي كنت واقف على دماغهم وبستلم الأطباق وبشوف الرز اللي لزق.
​— أنت كمان مع معاهم؟! ماما تعبانة وفي السرير بسبتكم أنتوا الإتنين!
​— ماما تعبانة عشان حبت تبان وتتفشخر ببيت شادية وتعمل فيها هانم. وأنتي بقى، يا اللي كنتي بتتشرطي وعايزة لحمة مشوية وخضار أورجانيك وفاكهة شكلها حلو، نقطينا بسكاتك أحسن. المرة الجاية لو فكرتي تيجي “تغيري جو وتصيفي” في الريف، هكون مجهزلك 80 شوال سباخ وسماد تشيليهم.
​الخط سكت تماماً.
​— كريم، أنا أختك.
​— ومي مراتي. وشادية حماتي وبمثابة أمي. والبيت ده ليه احترامه وناسه. تصبحي على خير.
​وقفل السكة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أمي ضحكت ضحكة هادية كدة وقالت:
​— ياه يا ابني، طلع عندك شخصية شديدة لمين كدة؟
​— من الأرض والزرع يا أمي. الواحد بيتعلم إزاي يقلع الحشيش والنجيل الفاسد من جذوره عشان الأرض تنظف.
​بصيت له وحسيت بامتنان وفرحة ملهاش أول من أخر. مش عشان الانتقام، لأ عشان محستش إني لوحدي ب دافع عن بيت أمي وحقها. في عائلات كتير، العروسة بتضطر تبلع الإهانة والظلم عشان “تمشي المركب ومشاكلش”. اليوم ده فهمت إن المشكلة مكنتش في حط الحدود؛ المشكلة كانت إننا نسمح لناس تدخل بجزمها المليانة تراب لـ سلام بيتنا اللي هما متعبوش ولا بنوا فيه طوبة.
​طنط ميرفت مفكرتش تاني تطلب تعمل عزومات أو خروجات في بيتنا. وقعدت شهور مبتفتحش السيرة دي نهائي. وشلتها وصاحباتها في النادي عمرهم ما رجعوا زي الأول؛ في منهم بقوا يجوا يشتروا خضار من أمي عادي، بس مش عشان خاطر حماتي، لأ عشان عجبهم الطعم الحقيقي للحاجة اللي طالعة بشقى وتعب.
​ونهى هي كمان مبقتش تجيب سيرة خيم ومعسكرات وشوي. وكل ما كريم يكتب كلمة “سماد أو سباخ” في جروب العيلة على الواتساب، كانت بتختفي وتخرج من الشات.
​وحياتنا كملت عادي. طين تحت الضوافر، قهوة في التراس، وأيام الأحد شغل ومشاركة ولمة حلوة. أمي كانت بتقول إن البيت ده أخيراً رجع يتنفس ويرتاح في سلام.
​ساعات العدل مبيجيش بالصوت العالي والخناق والمحاكم. ساعات بيجي بطاقية خوص، وجوانتي بينك، وكومة مواعين مدهنة مستنية اللي فاكر نفسه ذكي وممكن ياكل ببلاش.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *