دخلت البيت... لقيت ابني بيقولي يا ماما... إنتِ قولتي للمدرسة إني مش ابنك بجد؟! وقفت مكاني فجأة، وكيس المشتريات لسه ضاغط على صوابعي. في أول لحظة افتكرت إني سمعته غلط... يمكن قال كلمة تانية، أو لخبط زي أي طفل عنده ٨ سنين، والموضوع يطلع سوء فهم يضحكني بعد شوية. بس آدم ماكانش بيضحك. كان قاعد على سفرة المطبخ، قدامه ورقة الواجب بتاعة الرياضيات، وماسك القلم من غير ما يكتب. كتافه مضمومين، وعينيه مليانة دموع. شعره الأسود نازل على وشه، وحتى ما حاولش يرفعه زي ما كان بيعمل كل مرة يتضايق. كان شكله كإن الأرض اتسحبت من تحت رجليه. قال تاني بصوت أوطى يا ماما... ليه قولتي للمدرسة إني مش ابنك بجد؟ الأكياس وقعت من إيدي على الرخامة. علبة البيض خبطت في بعضها، وحاجة جوه كيس ورق اتدحرجت لحد الحيطة. قلبي اتقبض فجأة لدرجة حسيت إنه وقف. قلت وأنا بحاول أبقى هادية آدم... إنت بتقول إيه؟ بلع ريقه وقال الأبلة منى نادتني بعد الفسحة، وقعدت تسألني أسئلة غريبة. أسئلة؟ ريقي نشف. وكمل بسرعة قالتلي إن حد اتصل بالمدرسة وقالها إني مش ابنك الحقيقي... وإنك متبنيني ومقولتيليش. وسألتني إذا كنت مرتاح في البيت... وإذا كنتِ بتضربيني. حسيت المطبخ بيلف بيا. قلت بصعوبة مين... مين اللي اتصل؟ قالتلك مين؟ مسح دموعه بكم القميص وقال قالت كانت ست... وقالت إنها من العيلة. وكانت بتتكلم بثقة كأنها خايفة عليا. ست... ومن العيلة... عقلي جري في ألف اتجاه. أمي؟ خالتي؟ أم أحمد؟ حد من قرايبه؟ مين فيهم ممكن يعمل كده؟ آدم كمل فضلت تسألني إذا كنتِ وريتيني شهادة ميلادي، وإذا عندنا صور وأنا بيبي. قلتلها آه، عندنا ألبومات وصور من يوم ما اتولدت في المستشفى... لكنها كتبت كل حاجة في دفتر كبير. إيدي بدأت تترعش جامد. لفيت ناحيته، وقعدت قدامه، ومسكت إيده. قلتله وأنا ببص في عينيه اسمعني كويس يا آدم... إنت ابني. ابني الحقيقي. حملت فيك ٩ شهور. وفي آخر الحمل كنت بترفسني جامد لدرجة افتكرتك هتطلع ملاكم. ولدتك يوم ١٥ مارس الفجر، وباباك خدني المستشفى، واتولدت الساعة ٦٤٧ الصبح. بصلي وهو فاتح بقه من الدهشة. كملت عندي شهادة ميلادك... وعندي السوار اللي لبسته في المستشفى... وعندي صور وأنا شايلاك أول مرة، وباباك كان بيعيط من الفرحة لأنه ماكنش عارف يشيلك. بدأت ملامحه تهدى، لكن لسه فيه شك مستخبي في عينيه. قلت بحزم في حد بيكدب... وأنا هعرف مين. هز راسه، لكن كنت شايفة الشرخ الصغير اللي الكدبة زرعته جواه. أسوأ حاجة في الكدب... إنه مش محتاج دليل عشان يصدقوه. يكفي شخص كبير يتكلم بثقة، فيخلي طفل يشك في أكتر حاجة متأكد منها. قمت بسرعة، ومسكت موبايلي، وإيدي كانت بتترعش لدرجة إني كتبت اسم جوزي أحمد غلط مرتين. رد بعد الرنة التانية ألو يا ندى... قاطعته فورًا حد اتصل بمدرسة آدم... وقال للمدرسة إنه مش ابني الحقيقي. سكت ثانية... وبعدين قال بعصبية إيه؟! قلت حققوا معاه... وسألوه إذا كان آمن معايا... وقالوله إني متبنياه. قال بغضب ده جنان! مين ممكن يعمل كده؟ بصيت لآدم وهو عامل نفسه مركز في الواجب، كأنه مستخبي وسط الأرقام. قلت معرفش... بس أول حاجة الصبح هكون في المدرسة. مش هسيب الموضوع يكبر. قال فورًا أنا راجع البيت دلوقتي... وهنحل الموضوع سوا. الساعة خمسة ونص دخل البيت، حتى الجزمة ماقلعهاش. راح على طول عند آدم، وحط إيده على كتفه وقال بهدوء يا بطل... في حد قال للمدرسة كلام كله كدب. ساعات الكبار بيكدبوا، وساعات بيفهموا غلط... لكن إنت عارف مين مامتك. آدم هز راسه، لكنه فضل يبصلي كل شوية، كأنه بيتأكد إني لسه موجودة. ولما نام بالليل... عملت الحاجة الوحيدة اللي أي أم مرعوبة ممكن تعملها. جمعت كل الأدلة. طلعت شهادة ميلاده، وكل أوراق المستشفى، وكل متابعة الحمل، وصور الأشعة، وصور وأنا حامل، وصور السبوع، وصور أول حضن، وصور باباه وهو شايله لأول مرة. صورت كل حاجة، ورفعتها على ملف إلكتروني آمن. لو حد قرر يحارب ابني بالكدب... أنا هواجهه بالحقيقة. بعد نص الليل، وأنا نايمة جنب أحمد، بصيت للسقف وقلت بصوت واطي مين ممكن يعمل فينا كده؟ قال وهو ضاغط على سنانه واحد مريض. لكن أنا... كنت ابتديت أشك في شخص معين. لأن في ست واحدة في حياة أحمد، طول عمرها كانت بتبصلي كأني سرقت منها حاجة. ولو كانت مستعدة تسرق اهتمامه... وقربه... وولاءه... يبقى مستحيل تتردد وهي بتحاول تسرق ابني. بصيت لأحمد، لقيته سكت فجأة. عرفت من سكوته إنه فكر في نفس الشخص اللي جه في بالي. قلت بهدوء أمك. غمض عينه ثواني، وبعدها قال ما تتسرعيش. ضحكت ضحكة قصيرة كلها وجع. يعني إيه ما أتسرعش؟ من أول يوم جواز وهي بتقول إني خطفتك منها... وكل مناسبة لازم تلمح إن آدم واخد ملامح العيلة كلها إلا أنا. قال وهو بيحاول يهديني بس دي خطوة كبيرة... دي مدرسة... وبلاغ كاذب. بصيتله وقلت وده بالظبط اللي يخوفني... اللي يعمل كده مش هيقف هنا. ... الصبح بدري. صحيت قبل المنبه بساعة. لبست بسرعة، وجهزت آدم، لكن لأول مرة من سنين، لقيته ساكت. ما طلبش الساندوتش اللي بيحبه. ولا فتح الكرتون بتاع العصير. كان طول الوقت بيبصلي. وفجأة قال هو لو حد قال إني مش ابنك... ممكن ياخدني منك؟ السؤال وقع على قلبي زي السكينة. ركعت قدامه، ومسكت وشه بين إيديا. بصلي يا آدم. بصلي بعينين مليانين خوف. مفيش بني آدم على الأرض يقدر ياخدك مني... إلا لو أنا وافقت... وأنا مستحيل أوافق. وحتى لو الشرطة؟ ابتسمت بالعافية. حتى لو الدنيا كلها. رمى نفسه في حضني. وقتها عرفت إن اللي حصل مبارح كان أكبر من مجرد مكالمة. حد قدر يزرع خوف حقيقي جوه طفل. ... وصلنا المدرسة. مديرة المدرسة كانت لمحة نيوز مستنيانا في مكتبها. ست محترمة في آخر الأربعينات. أول ما دخلنا قالت أستاذة ندى... إحنا آسفين جدًا لو الطفل اتضايق. قلت وأنا بحاول أمسك أعصابي أنا مش جاية أسمع اعتذار... أنا جاية أعرف مين اللي اتصل. بصت للسكرتيرة، وبعدها قالت للأسف القانون ما يسمحش ندي بيانات المتصل. ضرب أحمد المكتب بإيده. يعني أي حد يتصل يتهم مراتي إنها خطفت ابنها، وتحققوا مع طفل عنده تمان سنين من غير حتى تبلغونا؟ المديرة اتوترت. وقالت بسرعة المتحدثة كانت عارفة بيانات دقيقة جدًا. قلبي دق بعنف. زي إيه؟ قالت اسم الطفل بالكامل... تاريخ ميلاده... عنوان البيت القديم... وحتى اسم الدكتور اللي ولدك. بصيت لأحمد. إحنا الاتنين اتجمدنا. المعلومات دي... ما يعرفهاش غير العيلة. قالت المديرة وقالت إنها جدة الطفل. الجملة نزلت علينا زي الصاعقة. أحمد وقف مرة واحدة. قالت إنها جدته؟ هزت المديرة راسها. وقالت إنها قلقة عليه لأن أمه الحقيقية ماتت... وإن الست اللي مربيّاه مخبية الحقيقة. حسيت إني مش قادرة أتنفس. آدم كان قاعد برة المكتب. ولو سمع كلمة واحدة من الكلام ده... هيتدمر. خرجت بسرعة، لقيته قاعد على الكرسي، بيحرك رجله بعصبية. ابتسمتله. خلصنا يا حبيبي. ابتسم ابتسامة صغيرة. لكن قلبي كان بيتفتت. ... أول ما رجعنا العربية. أحمد مسك الموبايل. واتصل بأمه. ردت بعد الرنة الأولى. صباح الخير يا حبيبي. قال من غير مقدمات إنتِ اتصلتي بمدرسة آدم؟ سكتت. ثانيتين. تلاتة. وبعدين قالت أيوة. أنا وأحمد بصينا لبعض. اعترفت. ببساطة. قال بغضب إنتِ مجنونة؟ ردت بكل هدوء أنا عملت اللي ضميري أمرني بيه. صرخت من مكاني يعني إيه ضميرك؟ قالت ببرود الولد لازم يعرف الحقيقة. قلت وأنا مش فاهمة حقيقة إيه؟ قالت مش كل الأطفال بيبقوا ولاد اللي بيربوهم. أحمد صرخ آدم ابن ندى. ردت إنت متأكد؟ ساد صمت غريب. قالت بعدها روحوا اسألوا الدكتور اللي ولدها. وقبل ما حد يرد... قفلت الخط. ... فضلنا قاعدين في العربية. ولا واحد فينا اتكلم. أنا كنت حاسة بالغضب. لكن أحمد... كان باين عليه إنه افتكر حاجة. قلت في إيه؟ قال بصوت متردد فاكرة يوم الولادة؟ هزيت راسي. أكيد. قال فاكرة لما الكهربا قطعت في المستشفى عشر دقايق؟ بصيتله باستغراب. أيوة. وفاكرة إنهم خدوا آدم الحضانة بسرعة؟ بدأت معدتي تنقبض. أيوة. بلع ريقه. أنا وقتها... شوفت ممرضة خارجة بطفلين. سكت. وبعدين كمل ولما سألتها قالت حصل لخبطة بسيطة واتحلت. اتسعت عيني. وليه ما قولتليش؟ قال لأن بعدها رجعوا نفس الطفل بالسوار. قلت بسرعة وده معناه إن مفيش مشكلة. قال أيوة... بس كلام أمي خلاني أفتكر. حاولت أطرد الفكرة من دماغي. لا. مستحيل. أنا حملت آدم. حسيت بركلاته. ولدته. رضعته. كبر قدامي. إيه اللي ممكن يغير ده؟ ... بالليل. كنت بقلب في ألبوم الصور. ولقيت صورة وأنا في المستشفى. وقفت عندها. كبرتها. ولأول مرة... لاحظت حاجة غريبة. السوار اللي في إيد آدم... الأرقام اللي عليه مش واضحة. لكن تاريخ الميلاد المكتوب عليه... مش 15 مارس. كان... 14 مارس. قلبي وقف. فتحت درج المكتب بسرعة. طلعت السوار الحقيقي اللي محتفظة بيه. بصيت عليه. مكتوب بوضوح 15 مارس. رجعت أبص للصورة. رجعت أبص للسوار. إزاي؟ إزاي الصورة فيها سوار بتاريخ... والسوار اللي عندي بتاريخ تاني؟ في اللحظة دي... رن جرس الباب. الساعة كانت واحدة بعد منتصف الليل. بصيت لأحمد. قال مين هييجي دلوقتي؟ فتحت الباب بحذر. لقيت راجل كبير واقف. شعره كله أبيض. ولابس بدلة قديمة. بصلي وقال حضرتك الأستاذة ندى؟ هزيت راسي. مدلي ظرف أصفر. وقال أنا كنت شغال في مستشفى الولادة اللي اتولد فيها ابنك... والنهارده بس عرفت إنهم بدأوا يسألوا عن اللي حصل من تمن سنين. حسيت الدم اتجمد في عروقي. سألته إيه اللي حصل؟ بص حواليه بخوف. وقال بصوت واطي مش هينفع أتكلم هنا... لأن في ناس لحد النهارده مستعدين يقتلوا... علشان السر ده ما يطلعش. وساب الظرف في إيدي... ومشى قبل ما ألحق أسأله أي سؤال. وقفت أبص للظرف. إيدي بتترعش. ولما فتحته... لقيت صورة لطفلين حديثي الولادة. وعلى ضهر الصورة... جملة مكتوبة بقلم أزرق الطفلين اتبدلوا... بس واحد بس من الأمهات عرفت الحقيقة. فضلت واقفة مكاني، والظرف في إيدي، حاسة إن رجلي مش شايلاني. أحمد قرب مني بسرعة. في إيه؟ مقدرتش أتكلم. ناولته الصورة. أخدها، وقعد يبص فيها ثواني طويلة. ملامحه اتغيرت. إيه ده؟ قلب الصورة على ضهرها، وقرا الجملة بصوت واطي الطفلين اتبدلوا... بس واحد بس من الأمهات عرفت الحقيقة. رفع عينه ناحيتي. دي لعبة... حد بيحاول يخوفنا. لكن جواه كان عارف إن الموضوع بقى أكبر من مجرد مكالمة للمدرسة. قلت بسرعة الراجل قال إنه كان شغال في المستشفى. خرج أحمد يجري. فتح باب العمارة. بص يمين. وبص شمال. الشارع كان فاضي. كأن الراجل اختفى في الأرض. ... قفلنا الباب. وأول حاجة عملناها إننا بصينا للصورة تحت نور أقوى. كان فيها طفلين ملفوفين في نفس البطاطين. والسوارين ظاهرين. واحد مكتوب عليه Baby A والتاني Baby B لكن أسماء الأطفال مش باينة. وفجأة. .. وقع من الظرف ورقة صغيرة كانت لازقة جواه. فتحتها بسرعة. كان مكتوب فيها عنوان. واسم واحد الدكتور سامح العشري. شهقت. ده الدكتور اللي ولدني. أحمد قال من غير تفكير بكرة الصبح نروحله. ... الليل ده محدش فينا نام. كل شوية أقوم أبص على آدم وهو نايم. كان نايم وحاضن الدبدوب اللي جبناهوله في عيد ميلاده الخامس. وشه هادي. بريء. ولا يعرف إن حياته كلها بقت محل شك. قعدت جنبه، وعديت صوابعي على شعره. همست حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده... إنت ابني. فتح عينه نص فتحة. ابتسم وهو نايم. وقال بنعاس بحبك يا ماما. الجملة دي كانت كفاية تخليني أواجه الدنيا كلها. ... الصبح. رحنا على العنوان. لكن أول ما وصلنا... لقينا العمارة قديمة جدًا. سألنا البواب. الدكتور سامح؟ الراجل قال انتوا مين؟ أحمد رد عندنا موضوع مهم. تنهد البواب. الدكتور بقاله سنتين معتزل... وصحته تعبانة. طلعنا. رنينا الجرس. بعد شوية... فتح راجل كبير، شعره أبيض، وماسك عصاية. بص لنا باستغراب. اتفضلوا. دخلنا. البيت كله ريحته كتب قديمة وأدوية. أول ما قعدنا... حطيت الصورة قدامه. مجرد ما شافها... لون وشه اتغير. مسك نظارته بإيد بترتعش. وقال مين جابلكم الصورة دي؟ قلت إحنا اللي بنسألك. فضل ساكت. أحمد قال بحدة في حد بيقول إن ابننا اتبدل. الدكتور قفل عينه. وكأنه رجع لسنين فاتت. وبعدين قال أنا كنت فاكر إن السر ده مات. قلبي دق بعنف. يعني إيه؟ قال في الليلة دي... حصلت كارثة. ... ابتدى يحكي. كانت ليلة زحمة جدًا. ست ولادات طبيعي. وأربع عمليات قيصرية. وفجأة... الكهربا قطعت. افتكرت كلام أحمد. الدكتور كمل المولد الكهربائي اتأخر يشتغل. والحضانة كلها كانت في حالة ارتباك. بلعت ريقي. وبعدين؟ في ممرضة جديدة... أخدت طفلين للحضانة. أحمد قال واتبدلوا؟ هز الدكتور راسه بالنفي. لا. استغربنا. قال في الأول افتكرنا إنهم اتبدلوا. لكن بعد مراجعة الأساور... لقينا كل طفل رجع لأهله. حسيت براحة بسيطة. لكن الدكتور كمل إلا إن... رجعت ضربات قلبي تزيد. إلا إن أم واحدة رفضت تستلم طفلها. اتجمدت. قالت ده مش ابني. سألته بسرعة مين؟ قال للأسف... ملفها اختفى بعدها بأيام. اختفى؟ أيوة. إزاي؟ حد سرق الملف. سكت شوية. وأضاف وبعدها المستشفى اتعرض لتحقيق. لكن اتقفل الموضوع. قلت يعني مفيش تبديل؟ قال أنا مش بقول كده. أمال؟ بصلي في عيني. وقال أنا بقول... إن الحقيقة اتدفنت. ... خرجنا من عنده وإحنا تايهين. ركبنا العربية. ولا واحد عارف يقول إيه. وفجأة... رن موبايل أحمد. كانت أمه. بصلها شوية. وبعدين رد. إيه؟ صوتها كان هادي بشكل مستفز. عرفتوا الحقيقة؟ قال بغضب إنتِ تعرفي إيه؟ ضحكت. أكتر مما تتخيل. صرخت وأنا قريبة من السماعة لو عندك حاجة قوليها. قالت مش في التليفون. أحمد قال يعني؟ تعالوا البيت. ... أنا رفضت. لكن أحمد أصر. يمكن عندها إجابة. وصلنا بيتها. كانت قاعدة في الصالون، كأنها مستنيانا من زمان. قدامها صندوق خشب صغير. أول ما دخلنا قالت اتأخرتوا. قلت بعصبية خلصينا. فتحت الصندوق. طلعت منه ظرف قديم. وقالت الظرف ده وصلني من تمن سنين. أخدته منها. كان مقفول بالشمع. فتحت الشمع. طلعت رسالة. أول سطر فيها خلاني أتجمد. إذا وصلك الجواب ده... يبقى أنا مت. رفعت عيني. مين اللي كاتبه؟ قالت الممرضة اللي كانت موجودة يوم الولادة. إيدي بدأت تترعش. كملت قراية. أنا شاركت في أكبر غلطة في حياتي... لكن ماكانش بإيدي. اتهددت. واتجبرت أسكت. وفي النهاية... الطفل اتسلم للأم الغلط. وقعت الرسالة من إيدي. أحمد شهق. قلت بصوت مخنوق يعني آدم... قاطعتني حماتي لأول مرة وهي باصة في عيني مباشرة. وقالت أنا عمري ما كنت بكرهك يا ندى. استغربت. أمال كل اللي كنتِ بتعمليه؟ قالت والدموع في عينيها كنت بخاف. من إيه؟ همست من اليوم اللي تيجي فيه أم آدم الحقيقية... وتاخده منكم. وفي نفس اللحظة... سمعنا صوت جرس الباب. فتحت الخدامة. ودخلت ست في أوائل الأربعينات. وشها شاحب. وعينيها حمرا من العياط. أول ما شافتني... قالت جملة خلت الزمن يقف. أنا آسفة... بس أنا جاية آخد ابني. أنا آسفة... بس أنا جاية آخد ابني. الجملة نزلت على ودني كأنها صوت انفجار. فضلت باصة لها، ومش قادرة أستوعب اللي سمعته. إيدي بردت. وقلبي بقى بيدق بعنف. أحمد وقف قدامي تلقائيًا، كأنه بيحميني. وقال بحدة إنتِ مين؟ الست أخدت نفس طويل، وطلعت من شنطتها ملف قديم. وقالت بصوت كله تعب اسمي سها... ومن تمن سنين خرجت من المستشفى وأنا حاسة إن الطفل اللي في حضني مش ابني. حماتي كانت باصة في الأرض. ولا قالت كلمة. أنا كنت حاسة إن الدنيا بتلف بيا. قلت بصعوبة وده يخليك تيجي تقولي هاتي ابني؟ قالت بسرعة وهي بتمسح دموعها أنا مش جاية أخطفه... ولا أوجع قلب أم... أنا جاية أدور على الحقيقة. أحمد مد إيده. هاتِ الملف. فتح الملف. كان فيه صور... وتقارير... وصورة لسوار مستشفى. وتقرير مكتوب فيه إن سها قدمت شكوى بعد الولادة بثلاث أيام، وإنها كانت مصرة إن الطفل اللي معاها مش طفلها. لكن الشكوى اتقفلت. ومن بعدها اختفى الملف. تمامًا زي ما الدكتور قال. ... بصيت لها. قلت والطفل اللي ربيتيه؟ ابتسمت وسط دموعها. وقالت اسمه ياسين. سكتت لحظة. هو ابني في كل حاجة... حتى لو الدم قال غير كده. الجملة دي خبطتني في قلبي. لأول مرة... حسيت إنها فاهمة أنا حاسة بإيه. ... أحمد قال بحزم الكلام ده كله ما يثبتش حاجة. هزت رأسها. عارفة. يبقى المطلوب إيه؟ قالت تحليل DNA. سكتنا كلنا. كان أول اقتراح منطقي. وفي نفس الوقت... أخوف اقتراح في الدنيا. ... رجعنا البيت. آدم جري علينا أول ما دخلنا. ماما... بابا... اتأخرتوا ليه؟ حضنته بقوة. قوية لدرجة إنه ضحك. وقال إيه يا ماما؟ بصيت في عينيه. كان نفس الضحكة... ونفس البراءة... ونفس الطفل اللي ربيته يوم بيوم. وقتها فهمت حاجة. حتى لو الدنيا كلها قالت إنه مش من دمي... قلبي عمره ما هيصدق. ... بعد يومين... عملنا التحليل. أيام الانتظار كانت الأصعب. لا أنا بنام. ولا أحمد. حتى حماتي بقت ساكتة. أول مرة أشوفها بالشكل ده. كانت كل شوية تبص لآدم وتعيط. ... بعد أسبوع... المعمل اتصل. وقال إن النتيجة جاهزة. أنا وأحمد وسها... رحنا سوا. ولا حد فينا كان قادر يتكلم. الدكتور خرج بالملف. وقال قبل ما أديكم النتيجة... لازم تعرفوا إن فيه مفاجأة. اتقبض قلبي. إيه هي؟ قال إحنا عملنا تحليل إضافي. بصينا له باستغراب. قال لأن النتائج الأولى كانت غير منطقية. حسيت إن رجلي هتقع. يعني إيه؟ فتح الملف. وقال آدم... ابن الأستاذة ندى والأستاذ أحمد بيولوجيًا. شهقت. ودموعي نزلت في نفس اللحظة. حضنت أحمد. وأنا بعيط. الحمد لله... لكن الدكتور رفع إيده. استنوا... لسه فيه حاجة. رجع قلبي يقف. قال الطفل ياسين... كمان ابن سها وزوجها. بصينا له كلنا. يعني... مفيش تبديل أطفال. كلنا اتكلمنا في نفس الوقت. أمال كل اللي حصل ده؟! ... الدكتور فتح ملف تاني. وقال فيه حد زوّر مستندات. استغربنا. قال كل الخطابات اللي وصلت... وكل الصور... وكل الأوراق... مزورة. حسيت إن مخي وقف. مين؟ قال النيابة قبضت على الشخص النهارده الصبح. أحمد قال بسرعة مين هو؟ رد الدكتور موظف أرشيف قديم في المستشفى. استغربنا أكتر. قال اعترف إنه كان بيشتغل مع محامية. محامية؟ أيوة. ليه؟ قال كانت بتدور على قضية رأي عام تكسب منها ملايين في التعويضات. شهقت سها. وأنا كمان. كمل لما عرفت إن فيه شكاوى قديمة من المستشفى... بدأت تزور مستندات... وتبعث خطابات للأهالي... عشان تخليهم يشكوا. أحمد ضرب المكتب بغضب. يعني كل ده علشان فلوس؟ الدكتور هز رأسه. للأسف. ... خرجنا من المعمل. وأول حاجة عملتها... حضنت سها. استغربت. قلت لها إحنا الاتنين ضحايا. انهارت في العياط. وقالت أنا كنت فاكرة إني هخسرك. ابتسمت وسط دموعي. إنتِ ماخدتيش مني حاجة. قالت ولو كنت لقيت إنه ابني؟ بصيت ناحية آدم، اللي كان بيجري ورا فراشة في جنينة المعمل. وقلت بهدوء كنت هفضل مامته... حتى لو الدم قال غير كده. ... بعد أسبوع... الشرطة أعلنت القبض على أفراد الشبكة كاملة. واتقفل التحقيق. والمدرسة قدمت اعتذار رسمي لآدم. والأبلة منى بنفسها دخلت الفصل. وقالت قدام زمايله إحنا غلطنا لما صدقنا كلام من غير دليل. آدم بص لي. وابتسم. ... في طريق الرجوع... قال وهو ماسك إيدي ماما؟ نعم يا حبيبي. هو الناس ممكن تكدب أوي كده؟ ابتسمت. أيوة. بس الحقيقة بتكسب؟ بصيت له. وضميت إيده. وقلت يمكن الحقيقة تتأخر... يمكن الناس تشك فيها... لكن عمرها ما بتضيع. ابتسم. وقال أنا كنت عارف إنك ماما. ضحكت وسط دموعي. عرفت منين؟ فكر شوية. وبعدين قال لأن محدش بيحضني زيك. وقتها... فهمت إن الأمومة عمرها ما كانت مجرد ورقة... ولا تحليل... ولا كلام ناس. الأمومة كانت حضن... وأمان... وقلب... والحاجات دي... مفيش حد يقدر يزورّها.