اعادت المال اذي كان سينقذها من الطرد

أمس جاء عمال صيانة لإصلاح الثلاجة عندي، وبعدها اختفت محفظتي قال الحاج فاضل وهو يثبت عينيه عليّ.
شعرت وكأن الډم انسحب من وجهي حتى قدميّ.
بقي الظرف الأبيض بين يديه ويدي، لكنني لم آخذه.
تخيلت ابنتيّ داخل الغرفة الصغيرة التي نسكنها.
تخيلت حقائبهما داخل أكياس سوداء.
وتخيلت صاحب البيت يرمي أغطيتنا في الممر.
والآن، فوق كل ذلك، بدأت كلمة سارقة تدور حول اسمي.
أنا لم آخذ شيئًا يا حاج فاضل قلت بصوت متكسر لو كنت أريد الاحتفاظ بالمال لكنت احتفظت بالرزمة التي وجدتها يوم الأربعاء.
شد فكه قليلًا.
لم يكن يبدو غاضبًا.
بل بدا متعبًا.
وكأنه لم ينم جيدًا منذ أيام طويلة.
ثم قال بهدوء
ولهذا أريدك أن تفتحي الظرف يا مريم.
فعلت ذلك ويدي ترتجف.
لكن لم يكن بداخله أي مال.
كانت هناك صورة مطبوعة التقطتها كاميرا مراقبة في ممر البناية.
ظهر في الصورة رجل يرتدي قبعة وبدلة عمل زرقاء ويحمل صندوق أدوات.
وكان يخرج من غرفة مكتب الحاج فاضل ممسكًا بمحفظة بنية اللون.
شعرت بأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
عرفته فورًا.
كان سعد.
والد ابنتيّ.
الرجل الذي تركني غارقة في الديون.
والذي ترك في ذاكرتي جروحًا كنت أخفيها سنوات طويلة تحت الأكمام الطويلة.
والرجل الذي جعل ابنتيّ تسألان مرارًا
لماذا لم يعد أبي يأتي إلى المدرسة؟
هل تعرفينه؟ سأل الحاج فاضل.
لم أستطع الإجابة مباشرة.
امتلأت عيناي بالدموع.
لكنها لم تكن دموع حزن.
كانت دموع ڠضب.
ذلك الڠضب الذي تخزنه المرأة سنوات طويلة لأنها لا تملك رفاهية الشعور به.
عليها أن تغسل الملابس.
وتحضّر الطعام.
وتلحق بالمواصلات.
وتتحمل الإهانات.
وتبتسم أمام أطفالها كي لا يشعروا بالخۏف.
إنه زوجي قلت أخيرًا أو بالأحرى زوجي السابق… رغم أننا لم نكمل إجراءات الطلاق رسميًا.
تنهد الحاج فاضل بعمق.
ثم وضع ورقة أخرى فوق الطاولة.
كانت نسخة من هوية مزورة كُتب فيها اسمي بشكل خاطئ.
ماريم بدل مريم.
كما كانت هناك فاتورة صيانة تحمل اسم ورشة تبريد في بغداد.
ثم قال
هذا الرجل لم يسرق محفظتي فقط… لقد كان يبحث عن ملف قديم. ملف خاص بملكية منزل تظهر فيه حقوق باسمك.
شعرت بأن المطبخ يدور حولي.
كنت أعتقد أن ذلك المنزل انتهى من حياتي منذ سنوات.
في إحدى الليالي أخرجني سعد منه بالقوة بعد شجار كبير بسبب الأموال التي كان يهدرها.
وفي اليوم التالي أخبرتني والدته أن المنزل ملك لهم وحدهم.
وأن امرأة مثلي لا تستطيع الوقوف بوجه عائلة محترمة.
فغادرت.
وأخذت ابنتيّ معي.
وانتقلت إلى غرفة صغيرة في حي شعبي ببغداد قرب ورش التصليح التي يبدأ ضجيجها قبل شروق الشمس.
وصدقت الكذبة.
لأنني كنت خائڤة.
لقد اشترينا ذلك المنزل معًا همست دفعت من مدخراتي الخاصة. كنت أعمل في أكثر من منزل، وأبيع الحلويات أيام العطل كي أوفر المال. لكنه كان يقول دائمًا إن الملكية باسمه وحده.
فتح الحاج فاضل ملفًا أزرق.
وأخرج نسخة قديمة تحمل أختامًا رسمية.
ثم قال
لا. عقد الزواج كان يمنحك حقوقًا قانونية كاملة. وهنا كل الوثائق الرسمية. لم تكوني ضيفة في ذلك المنزل يا مريم… بل شريكة في ملكيته.
وضعت يدي على فمي.
وشعرت بحرارة الدموع في عيني.
يوم الأربعاء أعدت مبلغًا كبيرًا ظننت أنني أحمي به ضميري فقط.
لكنني فهمت يوم الجمعة أن الأمانة لا تمنحك دائمًا مكافأة مالية.
أحيانًا تمنحك بابًا يعيد لك ما سُرق منك منذ سنوات.
ولماذا تحتفظ بكل هذه الأوراق؟ سألت.
نظر إلى عصاه قليلًا.
ثم قال
كنت أعمل في الدوائر القانونية سنوات طويلة قبل التقاعد. وأحتفظ ببعض الملفات عندما تبقى فيها أمور معلقة. ملفك بقي عالقًا لأن توقيعك كان مختلفًا بين عدة أوراق. وقتها أردت التواصل معك، لكن سعد أخبر الجميع أنك انتقلت إلى محافظة أخرى. ثم مرضت وانشغلت. وكان ذلك خطأ مني.
لم أعرف ماذا أقول.
كانت الحياة تعيد

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *