- الجزء الثاني: غبار المعركة الصامتة
تغلغل صمت تلك الليلة في ساحة انتظار السيارات الخاصة بمطعم “ليالي الشرق” في أعماق عظامي. كان هواء منطقة “الزمالك” البارد يلفح وجهي، لكنني لم أشعر بالطقس؛ لم أكن أشعر سوى بلهيب لا يطاق على وجنتي اليسرى، وبالمذاق المعدني للدم الذي لم يتوقف عن التدفق من شفتي السفلية. بينما كان طارق يسير أمامي بخطوات واسعة وهو يصرخ في عامل الـ “Valet” لأنه تأخر في إحضار سيارتنا الـ “SUV” الفارهة، كنت أضغط بالمغلف الغامض على صدري، مخبأة إياه بعناية تحت معطفي الأسود الطويل.
انفتحت أبواب السيارة، فركب طارق في المقعد الخلفي بغضب وزفرة حانقة، دون أن يكلف نفسه عناء انتظاري. صعدت خلفه بصمت، أجر ساقيّ كأنني أحمل أطناناً من الرصاص، والتصقت بالنافذة اليمنى محاولة الابتعاد عنه قدر الإمكان. أغلق طارق الباب بقوة هزت زجاج السيارة بالكامل. انطلق السائق – وهو شاب يعمل لدينا منذ عام – على الفور. تلاقت عيناه بعيني عبر المرآة الأمامية لكسر من الثانية، ورأيت في نظراته مزيجاً من الشفقة والخوف، وسرعان ما خفض رأسه ليركز في شوارع القاهرة الغارقة في المطر. Ahmad Suliman
كان الجميع صامتين. لا أحد يتكلم، ولا أحد يتدخل. هكذا كانت حياتي دائماً؛ حلقة من الشركاء الصامتين الذين يفضلون غض البصر على أن يعترضوا طريق “طارق السيوفي” العظيم.
كانت الرحلة نحو فيلتنا في “التجمع الخامس” تعذيباً نفسياً بامتياز. لم يصرخ طارق داخل السيارة، فهذا يتنافى مع برستيجه أمام السائق، بل لجأ إلى أسلوبه المفضل: الإرهاب النفسي الصامت. بدأ يدندن نغمة هادئة لا علاقة لها بالعنف الذي مارسه قبل قليل؛ كانت طريقته ليقول لي: “أنا أتحكم بكل شيء، وما حدث في المطعم لم يهز شعرة مني، أنتِ مجرد إزعاج يُحل بصفعة”.
عندما عبرت السيارة البوابات الحديدية الضخمة لقصرنا، شعرت أنني أدخل زنزانتي الذهبية من جديد. عقار هائل، أسوار مرتفعة تغطيها نباتات الزينة، حراسة مشددة على مدار الساعة، وحديقة منسقة بدقة. قصر في عيون العالم، ومقبرة لي.
ترجل طارق من السيارة ودخل المنزل بخطوات ثابتة تحت المطر دون أن يلتفت خلفه. دخلت وراءه إلى ردهة الاستقبال، حيث كان الرخام الأبيض يعكس ضوء الثريا الكريستالية الضخمة المتدلية من السقف. كل شيء كان لامعاً، بارداً، ومهجوراً.
التفت طارق وهو يصعد الدرج نحو جناح النوم الرئيسي، وقال بنبرة تقطر قرفاً ودون أن يتوقف: “لا أريد رؤية وجهك في السرير اليوم.. اذهبي ونامي في غرفة الضيوف. وجه الضحية الذي ترتدينه يثير اشمئزازي. غداً صباحاً لدينا عمل ومقابلة مهمة مع مستثمرين كبار من رجال أعمال الإسكندرية، وأتمنى أن تخفي جرح شفتك هذا جيداً.. لن أسمح بأن يظن أحد أنني لا أعرف كيف أحكم السيطرة على زوجتي”.
انغرست كلماته ك السكاكين في ظهري، لكن بأعجوبة.. لم أجهش بالبكاء هذه المرة. كان الألم الجسدي نابضاً، لكن الخوف بدأ يتحول إلى شيء آخر لم أعهده طوال خمس سنوات من الزواج: غضب بارد ومحسوب.
مشيت في الممر العلوي باتجاه معاكس للجناح الرئيسي، ودخلت غرفة الضيوف في نهاية الرواق، وأغلقت الباب بالمفتاح مرتين. جلست على طرف السرير، واستخرجت المغلف من المعطف بيدين ترتجفان. أشعلت أباجورة الطاولة الجانبية وتأملت الختم الشمعي الأحمر بعناية. الآن، بعيداً عن توتر المطعم، تبين لي أن الشعار المطبوع على الشمع ليس شعار مطعم “ليالي الشرق”، بل كان رمزاً قديماً: ميزان منمق يتقاطع معه سيف.. شعار العدالة.
كسرت الختم بحذر وأخرجت المحتوى. لم تكن هناك رسالة تعاطف من نادل، بل ثلاث أوراق من الحجم الكبير، مطبوعة بخط رسمي أنيق، ومعها كارت شخصي أسود صغير مكتوب بماء الذهب:
”الأستاذ ماجد زهران.. المحامي بالنقض – قضايا الأمن القومي والجرائم المالية المعقدة”
وضعت الكارت جانباً وتصفحت الأوراق الثلاث، فتجمد الهواء في صدري. كان يترأس الصفحة شعار “النيابة العامة – نيابة الأموال العامة العليا”، ومختوم بختم النسر ومكتب توثيق شهير.
الأوراق لم تكن تتحدث عني.. بل كانت تتحدث عن طارق! بدأت ألتهم الكلمات بنهم في عتمة الغرفة. ما كان بين يدي هو تقرير مالي وجنائي مفصل يفضح العمود الفقري لثروة زوجي بأكملها.
لطالما أفهمني طارق أن ملايينه تأتي من شركته للاستشارات الدولية واستثماراته العقارية في الساحل الشمالي، وكان يعاملني كجاهلة، مردداً أنني لن أفهم في لغة الأرقام، وأن واجبي الوحيد هو توقيع الأوراق التي يضعها أمامي “لحماية إرث العائلة”.
لكن هذا التقرير أثبت العكس تماماً. شركة الاستشارات كانت مجرد واجهة مثالية لشبكة معقدة من الشركات الوهمية في ملاذات ضريبية آمنة في بنما وجزر كايمان، تُستخدم لغسيل أموال مجهولة المصدر. احتوى التقرير على كشوفات تحويلات بنكية، تواريخ دقيقة، أرقام حسابات في بنوك سويسرية، والأخطر: نسخ من عقود شراء أراضٍ حيوية في سيناء تم الاستيلاء عليها عبر رشاوي لمسؤولين فاسدين.
لكن الصدمة التي شلت حركتي كانت في الصفحة الثالثة. هناك، في جدول منظم بدقة، كانت توجد نسخ من خمسة توقيعات لي أنا! كانت توقيعاتي على عقود العقارات الأكثر شبهاً بالشبهات وعلى الحسابات البنكية المتورطة في غسيل الأموال. لقد استغلني طارق! في كل مرة كان يبتسم فيها على طاولة الطعام ويطلب مني التوقيع “لتأمين مستقبلنا”، كان يحولني إلى شريكته الجنائية أمام القانون. إذا كشفت السلطات هذه الشبكة، سأكون أنا أول من يدخل السجن، لأن اسم طارق لا يظهر في العقود الرئيسية؛ كل شيء كان باسمي. كنت درعه البشري المالي.
في نهاية الصفحة الثالثة، كانت هناك ملحوظة صغيرة مكتوبة بالآلة الكاتبة، تختلف عن لغة التقرير القانوني الجافة:
”السيدة ياسمين: الرجل الذي يشاركك الفراش ليس مالكاً لحياتك، وإن أوهمك بذلك. هذه المعلومات تم جمعها على مدار أشهر بواسطة أشخاص تضرروا ودُمرت عائلاتهم بسبب طارق السيوفي. نحن نعلم ما تواجهينه خلف أبواب ذلك القصر، ونعلم ما حدث الليلة في المطعم. الأستاذ ماجد زهران يعرف كيف يستخدم هذه المستندات لإنقاذكِ وتدمير إمبراطورية الورق الخاصة بزوجك. لكن قرار تفجير هذه القنبلة يعود إليكِ وحدك. إذا قررتِ النجاة، اتصلي بالرقم الموجود على الكارت غداً قبل الساعة الثانية عشرة ظهراً. بعد هذا الوقت، سيتم تسليم التقرير رسمياً إلى نيابة الأموال العامة، ولن نتمكن حينها من حمايتكِ من التبعات القانونية. الوقت يداهمكِ”.
نظرت إلى ساعة الحائط.. كانت الحادية عشرة وخمس وأربعون دقيقة ليلاً. لدي بالضبط 12 ساعة لأتخذ القرار الأهم في حياتي.
إذا لم أفعل شيئاً، سأنتهي وراء القضبان أدفع ثمن جرائم رجل يصفعني لأنني طلبت طبق كابوريا! وإذا اتصلت بالمحامي، سأعلن حرباً مفتوحة ضد أحد أقوى الرجال نفوذاً في البلد، وطارق لن يقف مكتوف الأيدي؛ لو علم بالأمر، ستكون الصفعة أقل ما يفعله بي. حياتي في خطر في كلا السيناريوهين.
مشت الساعة ببطء قاتل، ولم تغمض لي عين طوال الليل. ومع دقات السادسة صباحاً، وتسلل خيوط الضوء، نهضت ودخلت الحمام. بمهارة، وضعت طبقات من كريم الأساس عالي التغطية لأخفي تماماً الكدمة المزرقة التي بدأت تتشكل على وجنتي. وضعت مصحح العيوب على شفتي، وأنهيت الأمر بأحمر شفاه قرمزي داكن يخفي الجرح تماماً. ارتديت بدلة رسمية أنيقة بلون الـ “بيج”، ورفعت شعري بمهابة..
في السابعة والنصف صباحاً، نزلت إلى غرفة الطعام. كان طارق يجلس في ترأس الطاولة، يرتشف قهوته السوداء ويقرأ الأخبار على جهازه اللوحي ببدلته الرمادية الفاخرة. بدا قمة في الرقي والنزاهة، ولا يمكن لأحد أن يتخيل أن هذا الرجل مد يده على زوجته بالأمس.
رفع عينه ونظر إليّ متفحصاً وجهي وشفتي. عندما رأى أن المكياج أدى المهمة ولا يوجد أثر ظاهر، هز رأسه بابتسامة رضا باردة وقال بنبرة هادئة: “يبدو أنكِ فهمتِ الدرس جيداً يا ياسمين.. هكذا أريدكِ، تبدين لائقة. السائق جهز السيارة، ورجال أعمال الإسكندرية بانتظارنا في نادي الغولف بالجزيرة في تمام التاسعة. لا أريدكِ أن تفتحي فمكِ بكلمة إلا إذا وجهتُ لكِ سؤالاً، هل هذا واضح؟”
أجبت بنبرة حيادية خالية من أي مشاعر: “واضح يا طارق”.
صعدنا إلى السيارة، ووسط زحام القاهرة الصباحي الخانق، كان عقلي يعمل كألة حسابية. حقيبة يدي تضم في جيبها السري كارت المحامي “ماجد زهران”، بينما يرقد تقرير غسيل الأموال بأمان تحت مرتبة السرير في غرفة الضيوف.. بانتظار عقارب الساعة لتقترب من الثانية عشرة.
الجزء الثالث: خطة الطُّعم والانقلاب
في نادي الغولف بالجزيرة، كان طارق يتحدث بنبرة متعالية مع المستثمرين. جلستُ بجانبه كتمثال أنيق، لكن عيني كانت تراقب عقارب الساعة: 11:45 صباحاً. بقيت ربع ساعة فقط على انتهاء المهلة.
فجأة، تقدم أحد شركاء طارق الجدد، رجل وقور يُدعى “المهندس عادل”، ونظر إليّ بابتسامة غامضة ثم قال لطارق: “مشاريعنا القادمة تحتاج إلى ميزان دقيق وسيف قاطع لحمايتها يا طارق بيه، تماماً كـعدالة القانون”.
صعقتني العبارة؛ لقد نطق بكلمات الشعار الموجود على الختم الشمعي الشاهد على مأساتي بالأمس! شعرت بنبضات قلبي تتسارع. عادل يعمل معهم.
في الساعة 11:53، استأذنتُ للذهاب إلى دورة المياه. أغلقتُ الباب، واستخرجتُ الهاتف وكارت المحامي “ماجد زهران”. اتصلتُ فوراً.
أجاب صوت أجش وقور: “كنت بانتظاركِ يا سيدة ياسمين. الوقت يداهمنا، هل نتحرك لإنقاذكِ؟”.
قلتُ بنبرة حازمة لم أعهدها في نفسي من قبل: “لن أهرب الآن يا أستاذ ماجد. إذا هربتُ سيبحث عني طارق ويدمرني. الأوراق التي أرسلتموها تثبت براءتي، لكني أريد تدميره هو بالكامل حتى لا ينهض مجدداً”.
صمت المحامي لثانية ثم سأل: “ماذا تنوين أن تفعلي؟”.
أجبتُ وعيني على الساعة التي تشير إلى 11:57: “سأعود معه إلى القصر كزوجة خاضعة مكسورة. طارق يحتفظ بجهاز لوحي مشفر وذاكرة تخزين (فلاش ميموري) سوداء في خزنته السرية بجناح النوم، هناك تُسجل الحسابات الحقيقية لشركات بنما وجزر كايمان بدون توقيعي. سأجلبها لك الليلة”.
قال المحامي بإعجاب: “هذه مخاطرة كبرى، لو كشفكِ…”.
قاطعتُه بثقة: “لن يكشفني، هو يظنني غبية ونكرة. اطلب من المهندس عادل أن يشغله غداً صباحاً بصفقة عقارات وهمية ليخلو لي القصر”.
عدتُ إلى طاولة الاجتماع في تمام الساعة **12:00**. نظر إليّ طارق بنظرة فاحصة، فرسمتُ على وجهي نظرة الخوف ونكستُ رأسي، فابتسم بانتصار وظن أنه أحكم قبضته عليّ.
في صباح اليوم التالي، نجحت الخطة بدقة؛ استدرجه المهندس عادل إلى اجتماع عمل وهمي خارج القصر، وما إن غادر، حتى صعدتُ إلى جناح النوم، وبثبات أدخلتُ الرمز السري للخزنة التي كنت أراقب أصابعه وهي تكتبه لسنوات. سحبتُ الفلاش ميموري السوداء والجهاز اللوحي، وسلّمتُهما للمحامي ماجد زهران قبل انتهاء المهلة.
لم يستغرق الأمر سوى أيام؛ فبفضل هذه الأدلة القاطعة، قُبض على طارق متلبساً بجنايات غسيل أموال وتزوير، وصدر بحقه حكم بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، بينما حصلتُ أنا على حريتي وبراءتي الكاملة بعد أن انهار قناع إمبراطوريته المزيفة إلى الأبد.
Ahmad Suliman. تمت بحمد الله
إتبعنا