زهور الياسمين
الجزء الثاني: شروق الياسمين وبقايا العاصفة
ترددت نبرة الميكروفون في أرجاء القاعة الفسيحة، معلنةً نهاية زمن وبداية زمن آخر. لثوانٍ بدت دهرًا، لم يكن هناك صوت سوى حبات المطر الثقيلة وهي تلطم زجاج النوافذ العالية لمتحف الفنون. وقف طارق متجمدًا في مكانه، وعيناه متسعتان بذهول وهو يرى الابتسامة الواثقة التي قضاها طوال الأمسية تتهاوى كقصور من رمل. رنا، المرأة ذات الفستان الذهبي، شعرت ببرودة الموقف فانسحبت خطوة للوراء، خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل الجميع يلاحظون الفجوة التي اتسعت فجأة بينها وبينه.
حاول طارق أن يجمع شتات نفسه، اقترب من المنصة وهو يحاول أن يهمس بنبرة زوجية ظن أنها لا تزال تملك تأثيرًا عليّ: “ليال.. ليس هذا المكان المناسب، دعينا نتحدث في الداخل”.
نظرتُ إلى عينية اللتين لم أجد فيهما سوى الذعر من الفضيحة، ثم نقلت نظري إلى بطاقة الرعاية المثبتة على فستان رنا، تلك البطاقة التي تحمل الختم الفضي لعائلتي.. ختم مؤسسة “الشريف”. وقلت له بصوت سمعه الحضور في الصفوف الأولى: “بل هذا هو المكان المناسب تمامًا، فالمكان الذي يُستغل فيه اسمي زورًا، يصبح ساحتي المفضلة لإظهار الحقيقة”.
في تلك اللحظة، ظهرت نادية بين الحشود. لم تكن تركض، بل كانت تمشي بخطوات واثقة، يلمع في عينيها مزيج من الغضب والانتصار، وممسكة بهاتفها كأنه س*لاح جاهز للإطلاق. رآها طارق، فتغير لون وجهه أكثر، فهو يعلم أن وجود نادية يعني أن القناع قد سقط بالكامل. هتف بنبرة مخنوقة: “هل أقحمتِ نادية في مشاكلنا أيضًا؟”.
أجابت نادية وهي تقف بجانبي كالسد المنيع: “أنا من أقحمتُ نفسي يوم أن رأيتك تحول شقيقيتي إلى مجرد غياب مريح يخدم وجاهتك الاجتماعية”.
تحرك رئيس مجلس إدارة المتحف، السيد بدران، محاولاً تدارك الموقف قبل أن يتسع الخرق على الراقع. تقدم نحوي بوجه شاحب وقال بنبرة خافتة: “السيدة ليال الشريف.. نحن نقدر مكانتكم، ولكن ربما يجدر بنا مناقشة هذه الأمور القانونية في غرف المداولة”.
نظرت إليه بثبات أدهشه، وقلت: “المناقشات في الغرف المغلقة هي التي منحت الفاسدين فرصة تزوير التواقيع واستغلال أموال الإغاثة الطارئة لتمويل المظاهر الكاذبة. الليلة، كل شيء سيُناقش تحت هذه الثريا”.
فتحتُ الملف الأسود الذي أحضرته نادية. قلبت الصفحة الأولى التي تحمل تقرير تجميد التمويل، ثم الصفحة الثانية التي تحتوي على سحب المانحين، وصولاً إلى الصفحة الثالثة.. التقرير الأمني الخاص بعيادات نيروبي وعمّان.