زهور الياسمين
طارق حاول الهجوم واستخدام حيلته القديمة في قلب الطاولة، فالتفت إلى الضيوف وقال بصوت جهوري مصطنع: “أيها السيدات والسادة، زوجتي تمر بظروف نفسية صعبة، وهي تعشق إحاطة نفسها بالغموض والحسابات السرية، وما ترونه الآن هو مجرد سوء تفاهم عائلي”.
ابتسمتُ بمرارة، ونظرت إلى نادية التي ضغطت على شاشة هاتفها. انطلق صوت طارق من تسجيل الهواتف واضحًا ونقيًا، ليملأ صمت القاعة: «إنها لا تدقق في أمور المؤسسة بنفسها، ضعوا اسمي حيث يجب وأرفقوا الختم الفضي، ليال تظل دائمًا حيث أتركها، إنها امرأة رقيقة ولن تثير المشاكل».
ساد القاعة صمت كصمت القبور. وضعت رنا يدها على فمها ونزعت بطاقة الرعاية المزورة وألقتها على الطاولة قائلة بدموع تملأ عينيها: “أخبرتني أنها لا تعمل، وأنها تخجل من مواجهة المجتمع الفاخر!”. أما مدير المتحف فبدا وكأنه على وشك السقوط أرضًا من هول الصدمة القانونية التي ستحل بالمؤسسة.
أشرتُ إلى رجال الأمن الذين كانوا يقفون عند الممر الجانبي بمهنية صارمة: “اصطحبوا السيد طارق إلى مكتب الانتظار، فمحامو المؤسسة ومحقو التأمين في طريقهم إلى هنا الآن”. صفحة روايات وحكايات
انتهى الحفل دون حاجة لإعلان نهايته. تفرق الحضور بهدوء أشبه بالهروب، يخلعون بطاقات الرعاية المزورة ويضعونها على الصواني الفضية بنظرات خاضعة. انسحبتُ مع نادية إلى غرفة الحفظ الخلفية بالمتحف، بعيدًا عن الفلاشات والعيون المتربصة. هناك، وسط صناديق اللوحات العتيقة ورائحة الطلاء، شعرت بروحي تتنفس لأول مرة منذ ثلاث سنوات.
جلستُ على أحد الصناديق الخشبية، ودمعة عنيدة شقت طريقها على وجنتي. اقتربت نادية ومسحت على كتفي قائلة: “لقد كنتِ منارة الليلة يا ليال، لستِ مجرد مصباح صغير كما أرادكِ أن تكوني”. صفحة روايات وحكايات
مدت نادية يدها إلى حقيبتها وأخرجت مغلفًا كريمي اللون، مختومًا بختم أميرة، مديرة العمليات الميدانية في نيروبي. فتحتُه بأصابع مرتعشة، لأجد ورقة واحدة وبداخلها صورة فوتوغرافية. كانت الصورة لساحة العيادة الميدانية في أفريقيا بعد أن أُعيد طلاء جدرانها باللون الأزرق، وبجانب المدخل، زُرعت في دلاء معدنية قديمة.. زهور الياسمين؛ بيضاء، يانعة، وعنيدة.
كُتب في الرسالة بخط أميرة: «إلى أم الياسمين.. نرسل لكِ زهوركِ المفضلة التي زرعناها هنا لتذكرنا دائمًا برقتكِ التي تحمينا في الظل. عودي إلينا، فنحن بانتظاركِ».