في ليلة كلها برد

الجزء الاخير

تردد الشاب قليلًا قبل أن يجيب:

— اسمي… كريم.

لم يقل أكثر من ذلك…

وسلمى لم تُلح بالسؤال.

دخلت المطبخ الصغير، وأحضرت ما تبقى من الطعام: أرز بسيط مع قليل من الملح وقطعة فلفل جافة قسمتها إلى ثلاثة أجزاء. وضعت الطبق أمامه أولًا.

نظر كريم إلى الطعام وكأنه لا يستوعب.

— مش معقول آخد أكلكم…

ردت بهدوء:

— في البيت ده… اللي يدخل جعان، لازم ياكل. بكرة ربنا يفرجها.

أمسك الملعقة…

ومع كل لقمة، لم يكن الطعم هو ما يؤثر فيه… بل الطريقة التي عومل بها.

لأول مرة منذ زمن طويل… شعر أنه إنسان، لا رقم، ولا صفقة، ولا اسم كبير.

امتلأت عيناه بالدموع… دون أن يتكلم.

في وقت لاحق، فرشت له سلمى بطانية قديمة على الأرض.

— ارتاح هنا… المطر مش هيقف قريب.

— وإنتي؟

— هفضل جنب أمي.

جلس يراقبها بصمت…

نور الشمعة الخافت كان يضيء وجهها المتعب، يديها الخشنتين، وملامحها البسيطة.

كانت شابة، ربما في منتصف العشرينات… لكن عينيها تحملان حزنًا أقدم من عمرها.

ومع ذلك… لم يكن فيها أي مرارة.

بعد لحظات، قال:

— إنتي ما سألتِيش أنا مين.

ردت دون أن تلتفت:

— ماكنش مهم.

— ما خفتيش؟

— خفت… بس الاحتياج كمان مخيف… ومش بنبطل نعيش عشانه.

خفض رأسه وقال:

— في عالمي… محدش بيساعد غير لما يعرف هيكسب إيه.

ابتسمت بحزن:

— يبقى عالمكم وحيد قوي.

الكلمة دي… فضلت ترن في ودنه.

لم ينم كثيرًا تلك الليلة.

صوت المطر… سعال الحاجة زينب… وأنفاس سلمى الهادية… كانوا كفيلين يخلّوه صاحي.

مع أول خيط نور، والمطر بدأ يهدأ… قام بهدوء، رتب المكان، وخرج قبل ما يصحوا.

لما فتحت سلمى عينيها… كان اختفى.

لم يتبقَ سوى آثار طين عند الباب… وقطعة القماش الملطخة بالدم.

— مشي… —همست.

قالت أمها بهدوء:

— في ناس بتيجي… بس علشان تفكرنا إحنا مين.

خلال اليوم… بدأت تسمع كلام في البلد.

في الدكان، كان رجلان يتحدثان:

— سمعت؟ الحادث اللي على الطريق القديم… ده كان واحد اسمه كريم عز الدين…

— ده مش صاحب شركات السياحة والفنادق؟!

— أيوه… ملياردير من القاهرة!

تجمدت سلمى في مكانها…

كريم…

الغريب اللي أكل من أكلها… ونام على أرضها…

طلع واحد من أغنى رجال البلد.

بعد يومين…

وصلت عربيات سوداء للقرية.

الناس خرجت تتفرج… رجال ببدل نزلوا الأول…

ثم نزل كريم.

نظيف… أنيق… مختلف تمامًا.

لم يعد الرجل الضائع… بل بدا كأنه يملك العالم.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *