الطفلة والمليونير ج١ – محمد نور

الطفلة والمليونير – محمد نور (الجزء الأول)

جاء المليونير لجمع الإيجار… فصُدم برؤية طفلة مرهقة تخيط الثياب

​أتى صاحب العقار المليونير وهو ممتلئ غضباً، مصمماً على طرد مستأجرة لم تدفع الإيجار منذ ثلاثة أشهر. لكن خلف باب الشقة، صُدم برؤية طفلة في السابعة من عمرها تخيط الثياب بحذر وأصابعها نازفة، بينما والدتها المريضة طريحة الفراش في الداخل. وبينما كان يكتشف السبب المفجع الذي يجعل كل درهم يمثل فارقاً بين الحياة والموت، وجد رجل الأعمال الثري نفسه مواجهاً لماضيه الأليم الذي قضى سنوات يحاول نسيانه… ولتغير هذه الطفلة الصغيرة إلى الأبد مفهوم النجاح والعائلة والرحمة في حياته.

​نزل نعمان من سيارته الفارهة دون أن يكلف نفسه حتى عناء إغلاق بابها. كان يشعر بضيق شديد؛ فقد كان يومه حافلاً بالاجتماعات المملة، وزاد على ذلك اضطراره للذهاب بنفسه لجباية الإيجار من مستأجرة تأخرت عن الدفع لثلاثة أشهر كاملة. لم يكن يستوعب كيف يعجز الناس عن التعامل مع أمر بسيط كهذا.

​سار في الممر الطويل للبناء القديم، وهو مبنى يصارع البقاء بأقل عمليات صيانة ممكنة. استقبلته أولاً رائحة الجبس الرطب، ومن مكان ما في الممر كان صوت خلاط قديم يعزف نغمته المزعجة في مطبخ أحدهم. وعندما وصل إلى الشقة رقم (4ب)، أخذ نفساً عميقاً وطرق الباب بقوة. لا إجابة. طرق مجدداً وبشدة أكبر. ثم سمع شيئاً… خطى صغيرة، حذرة ومترددة، تتقدم نحو الباب. انفتح الباب بضع سنتيمترات فقط.

​ما رآه جعله يتسمر في مكانه. طفلة صغيرة، ربما في السابعة من عمرها، بشعر بني مشعث وعينين واسعتين تبدوان أكبر من وجهها النحيل، كانت تنظر إليه من الأسفل. شفتاها المتشققتان وثيابها الملطخة بخيوط ملونة كانا ينطقان بالبؤس. لم تنطق بحرف، اكتفت بالنظر إليه بالطريقة التي ينظر بها الطفل إلى شخص بالغ يتوقع منه التوبيخ.

​جثا نعمان على ركبتيه، مأخوذاً بالموقف، وسألها عما إذا كانت والدتها في البيت. هزت الطفلة رأسها، لم تتكلم، بل اكتفت بنفي صامت. ظنّ أن الأم خرجت لشأن سريع، لكنه لاحظ خلف الطفلة ماكينة خياطة قديمة تعمل بالدواسة اليدوية، وعلى الطاولة بجوارها قصاصات قماش، وبكرات خيوط، وإبر. كانت الطفلة تخيط! لم تكن في المدرسة، ولا تلعب، ولا تشاهد أفلام الكرتون… كانت تخيط، وخزات الإبر تنتشر على يديها، وآثار الخيوط محفورة في أصابعها.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *