الطفلة والمليونير ج١ – محمد نور
سألها بصوت خرج منه، رغماً عنه، أكثر رقة من المعتاد: «هل أنتِ بمفردكِ هنا؟». مترددةً، نظرت الطفلة إلى الأسفل وفتحت الباب أكثر قليلاً. لم يشأ نعمان الدخول دون إذن، فاكتفى بالميل بجسده ليرى أفضل.
كانت الشقة مظلمة، والستائر مسدولة، والهواء ثقيلاً. كرسي متهالك في الزاوية، وثلاجة يبدو أنها لم تُنظف منذ سنوات، وعلى الموقد قدر فيه بقايا طعام محترق. لكن ما صدمه بحق كان سريراً صغيراً في غرفة المعيشة، أغطية رقيقة، ولحاف ممزق، وبجواره علب أدوية فارغة. اتضحت الصورة أمامه دفعة واحدة. سألها دون أن يتحرك: «أمكِ مريضة؟». نظرت إليه الطفلة مجدداً، وأومأت برأسها، دون أن تزيد حرفاً.
لم يدرِ نعمان ماذا يفعل. لم تكن هذه المرة الأولى التي يرى فيها الفقر؛ فقد نشأ هو نفسه في حي شعبي فقير منذ زمن طويل، قبل أن يؤسس شركته، وقبل أن يوضع اسمه على عقود العقارات… يوم كانت أمه تجمّع القروش على طاولة مطبخ لا تختلف كثيراً عن هذه الطفلة. غير أن سنوات طويلة مرت منذ أن وقف وجهًا لوجه أمام فقر بهذا الخلاء والوضوح، وفوجئ كيف سرعان ما عاد إليه ذلك الشعور القديم؛ قهر طفل يعيش في عالم يعوزه كل شيء.
أخرج هاتفه متظاهراً بمراجعة أمر ما، وسأل الطفلة عن اسم والدتها. قالت بصوت خفيض: «سارة». ثم، وكأنها خجلت من الحديث، عادت إلى الخياطة بين يديها. سألها نعمان عن الإيجار، رغم أنه لم يعد يهمه في تلك اللحظة. قالت الطفلة إن والدتها تركت مظروفاً تحت الفراش، ثم ركضت دون أن تفلت الإبرة من يدها، وعادت بعد ثوانٍ بمظروف مجعد. فتحه نعمان… كان شبه فارغ، بضع ورقات نقدية صغيرة لا تتعدى بضعة دنانير. لم يقل شيئاً؛ فلم يكن هذا وقت الحديث عن المال.
وعندما عادت الطفلة إلى ماكينة الخياطة، وقف مسمّراً عند الباب. لم يستطع أن يدير ظهره ويرحل، وفي الوقت نفسه لم يدرك كيف يمد يد العون دون أن يبدو الأمر وكأنه شفقة. أعادت الطفلة تشغيل الماكينة، فملأ صوت الدواسة الإيقاعي الصمت الثقيل. لم يغادر نعمان؛ ظل واقفاً يراقب قدميها الصغيرتين المرهقتين تضغطان على الدواسة، ورأسها يميل من التعب وهي تواصل العمل، وكأن لا خيار آخر أمامها.
شيء ما انكسر داخله في تلك اللحظة. لم تكن شفقة، ولم يكن شعوراً بالذنب… كان شيئاً أقرب إلى الغضب، غضب لا يجد له مخرجاً؛ غضب من الأم، ومن الظروف، ومن نفسه لأنه لم ينتبه لشيء كهذا من قبل. رأى قطرة دم صغيرة تسيل من طرف إصبعها، فمسحتها بثوبها دون أن تتأفف أو تشتكي، وواصلت الخياطة.