الجندي والرضيعة – محمد نور
## حراسة في عتمة الليل
في المرة الأولى التي رأيتُ فيها **سليمان “العميد”** يدخل قسم العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى “دار الشفاء”، شعرتُ بغصة باردة من الرعب الخالص تتملك صدري.
عملتُ ككبيرة الممرضات في هذا القسم لإحدى عشرة سنة. كنتُ أعرف إيقاع هذه الغرفة حتى النخاع؛ أزيز أجهزة التنفس الاصطناعي الهادئ، والضوء الدافئ المنبعث من الحاضنات البلاستيكية، والصلوات الخافتة واليائسة التي يهمس بها الآباء في منتصف الليل. كانت هذه الغرفة ملاذاً للأجساد الضئيلة التي تتعلق بالحياة بفراغ الصبر، حيث يُقاس كل شيء هنا بالمليمترات والجرامات.
سليمان “العميد” لم يكن يبدو كمن ينتمي إلى هذا المكان إطلاقاً.
كان مقاتلاً سابقاً في الجيش في أوائل الخمسينيات من عمره، بقامة فارعة تعلو لستة أقدام وأربع بوصات، وبكتفين عريضين كالجدار يسدان أفق الباب. وراء ملامحه الصارمة ونظراته المترقبة، كان يبدو وكأنه يتوقع أن تأتيه ضربة غادرة من بين جدران المستشفى البيضاء. لكن لم تكن ضخامة ج*ثته هي ما أثار إنذارات الخطر في عقلي المهني… بل كانت يداه.
كانتا يدين ضخمتين، مغطاتين بالكامل بندوب حروق سميكة ولامعة تتسلق ساعديه وتختفي تحت أكمامه المشمّرة. وأسوأ من الندوب كانت تلك الرعشة؛ اهتزاز دقيق ولا إرادي يرج أصابعه، أثر ظاهري لتلف عصبي أو صدمة نفسية عميقة لم تندمل.
كان سليمان أحدث المتطوعين في برنامج “مواساة الرضع”. لقد اجتاز الفحوصات الأمنية، والتقييمات النفسية الصارمة، وأنهى التدريب الإلزامي. على الورق، كان مؤهلاً تماماً. أما في الواقع، وهو يقف تحت الأضواء الفلورية الساطعة في قسمي، فقد كان يبدو كضحية معركة تنتظر الإخلاء الطبي.
وفجأة… بدأ جرس الإنذار في السرير رقم (7) بالصراخ.
لم يكن مدوناً على ملفها الطبي سوى اسم مؤقت: **”الرضيعة مجهولة النسب”**. طفلة ضئيلة لا يتعدى وزنها الكيلوغرام الواحد، ولدت في الأسبوع السادس والعشرين. لم تصل إلى الدنيا مبكراً وصغيرة الحجم فحسب، بل وصلت وحيدة تماماً، محملة بعبء حرب لم تطلب خوضها. والدتها اختفت في عتمة الليل بعد ولادتها بساعات، دون أن تترك وسيلة للاتصال، ولا بطانية دافئة، وتركت خلفها تقريراً طبياً كارثياً يؤكد سمية دمها.
كانت الطفلة تعاني من أعراض انسحاب المخدرات الحادة من جسدها الصغير.