الجندي والرضيعة – محمد نور
> **«إنها مريضتي الآن…»** همس سليمان بصوت يرتجف بغضب شرس ومُحامٍ، **«وأنا لا أتخلى عن موقعي أبداً. لا تحاول تحريكها مرة أخرى حتى أقول إنها مستعدة. هل فهمتني؟»**
>
فتح طارق فمه ليعترض، لكن الدكتور إبراهيم أمسك بذراعه وهز رأسه بنفي بطيء، ثم نظر إلى سليمان باحترام عميق جديد:
> **«دعه يبقى يا طارق… دعه يبقى فقط.»**
>
استدار طارق وغادر القسم بخطوات غاضبة.
انهارت قواي واستندتُ إلى الطاولة، وقلبي يخفق بشدة. نظرتُ إلى سليمان؛ كان يرتجف بشدة مجدداً، ورأسه مائل إلى الخلف على الجدار من أثر الإجهاد الشديد. وعندما حرك ثقله محاولاً تخفيف التشنج في ساقه، انزلق شيء ما من تحت ياقة قميصه.
تدلى من سلسلة معدنية صدئة، ليلتقط ضوء الفلوريسنت الساطع… قلادة عسكرية فضية واحدة، طالها التآكل.
حدقتُ فيها وهي تستقر قرب ترقوته. لم يكن منقوشاً عليها اسمه، أو رتبته، أو فصيلة دمه… بل كانت تحمل كلمة واحدة فقط، حُفرت بعمق في المعدن، لتقرأ كسرٍّ أُزيح عنه الستار أخيراً.
اقتربت الساعة الثانية عشرة كوزن ثقيل يضغط على أنفاس الغرفة.
استقر القسم في هدوء يشبه هدوء الليل التأملي، وتم تخفيض الأضواء إلى لون بنفسجي خافت. بحلول الساعة الحادية عشرة، كنتُ أرى أن سليمان يعاني من ألم جسدي طاحن. كانت مفاصل يديه الضخمتين متورمة ومتبهدلة. كان نَفَسُه يتلعثم أحياناً، فالجمود التام يستنزف جسداً أرهقته السنون والمعارك.
مشيتُ نحوه محملة بقطعة قماش دافئة ورطبة. لم أسأله، بل مسحتُ ببطء العرق البارد عن جبهته ومن خلف عنقه. لم يفتح عينيه، لكنه مال بنحوي لكسر من الثانية في إيماءة شكر صامتة.
وعندما سحبتُ يدي، وقعت عيناي مجدداً على القلادة العسكرية المستقرة على صدره، فوق رأس الطفولة مباشرة.
كان الاسم المنقوش على المعدن هو: **”نورة”**.
همستُ بصوت خفيض جداً كي لا يعلو على صوت أجهزة الأكسجين:
> **«هل كانت زميلة لك في الس/لاح؟»**
>
أبقى سليمان عينيه مغمضتين. ولبرهة طويلة، لم يكن هناك صوت سوى تنفسه المنتظم. ظننتُ أنه سيجاهلني أو يخبرني أن الأمر لا يعنيني.
لكنه قال أخيراً بصوت مبحوح كالحصى المكسور:
> **«لا… لم تكن جندية.»**
>
فتح عينيه، ونظر بجمود إلى سقف الغرفة.
بدأ يتحدث، والكلمات تخرج منه ببطء وكأنها كانت محبوسة في خزانة مغلقة منذ عقود: