الجندي والرضيعة – محمد نور

> **«كان ذلك في عام 2004… كنتُ في مهمة عسكرية سرية في الجبال. انقطاع تام عن العالم؛ لا اتصالات، ولا رسائل، ولا شيء لثلاثة أسابيع متواصلة.»**

>

بلع ريقه بصعوبة، وحنجرته تتحرك في حلقه العريض:

> **«كانت زوجتي في البلاد، وكانت في الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل فقط… حدث خطأ ما، انفصال في المشيمة، واضطر الأطباء لإجراء ولادة مبكرة طارئة.»**

>

توقفت أنفاسي… الأسبوع الرابع والعشرون؛ إنه الحد الفاصل والمرعب جداً بين الحياة والموت للرضع.

تابع سليمان، ودمعة واحدة متمردة انسابت على خده المغطى بالندوب لتختفي في لحيته التي بدأ يخالطها الشيب:

> **«لم يستطيعوا الوصول إلي… كانت زوجتي وحيدة في غرفة تشبه هذه تماماً. والطفلة… “نورة”… ولدت وهي تقاتل أجل الحياة. تماماً مثل هذا العصفور الصغير هنا.»**

>

ثم حرك إبهامه المرتجف ببطء ليمسح على رأس الرضيعة.

همستُ وقلبي يعتصر حزناً على هذا الرجل الضخم:

> **«وكم عاشت؟»**

>

«اثنتا عشرة ساعة…» خرجت الكلمات من حنجرته مختنقة، وصدره يعلو ويجهد للحفاظ على التنفس المنتظم الذي تحتاجه الرضيعة:

> **«عاشت اثنتي عشرة ساعة فقط… ولم أكن هناك. كنتُ على بعد آلاف الأميال في وسط المعارك، بينما كانت ابنتي تخوض حربها الخاصة كاملة دون أن يكون والدها بجانبها ليحملها.»**

>

نزل بنظره إلى الطفلة المستلقية على صدره، وعيناه تغرقان في بحر من الحزن:

> **«عندما عدتُ أخيراً… وعندما أخبروني بالنهاية… كان الوقت قد فات. لم أستطع حملها ولو لمرة واحدة. لم أستطع إخبارها بأنها ليست وحدها، ولم أستطع مسح ألمها.»**

>

ثم رفع عينيه نحو الممرضة سارة، يستجدى منه التفهّم:

> **«لم تستطع زوجتي النظر في وجهي بعد ذلك… وانتهى زواجنا بالطلاق. وسرحني الجيش بعد عدة سنوات. قضيتُ عشرين عاماً بهذه اليدين…»** كشف عن إحدى يديه المغطاة بالندوب، **«وأنا أعلم أنهما تستطيعان إصلاح المحركات، وكسر العظام، وتضميد جراح الرصاص… لكنهما لم تكونا هناك لتحملا ابنتي.»**

>

ضَربتني هذه الحقيقة كصفمة مؤلمة على وجهي…

لم يكن سليمان يقاتل من أجل البقاء لفرصة ساعتين متطوعاً، ولم يكن يصارع الدكتور طارق أو لوائح المستشفى… كان يصارع الزمن، كان يصارع شبح الماضي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *