الجندي والرضيعة – محمد نور

>

حدقت فيه نسرين، وصدرها يعلو ويهبط. نظرت من فوق كتف سليمان العريض، لتلمح ابنتها النائمة بسلام في الضوء الدافئ للحاضنة، والشاشات تسجل مؤشرات حيود منتظمة وسليمة.

تلاشت المقاومة من نسرين تماماً، وانثنت ركبتها وسقطت باكية بين أيدي حراس الأمن، ليس بغضب… بل بذنَب مريع وأليم لأم تدرك أنها تقصر في حق طفلتها.

همستُ للحراس:

> **«خذوها إلى قسم الخدمة الاجتماعية، واعرضوها على الطبيب… وأخبروهم أنها مستعدة للحديث الآن.»**

>

قاد الحراس نسرين إلى الخارج، وأُغلقت الأبواب المزدوجة الثقيلة ليعود الهدوء مجدداً إلى القسم.

التفتُّ إلى سليمان. كان يستند بجهد على الجدار، ورأسه مائل إلى الخلف وعيناه مغمضتان. لقد انتهت حراسته، وانطفأ الأدرينالين أخيراً، ليترك خلفه إرهاقاً يصل إلى العظام. رفع يده المرتجفة، وأمسك بالقلادة الفضية الصدئة المستقرة على صدره.

اقتربتُ منه وهمست:

> **«لقد قمت بعمل عظيم يا سليمان… لقد أنقذتهما كليكما اليوم.»**

>

فتح عينيه ونظر نحو الحاضنة:

> **«إنها مقاتلة… ستتجاوز هذه المحنة.»**

>

خعل المئزر الطبي الأزرق ببطء، وعضلاته تئن من التعب. ثم التفت إليّ وهز رأسه باحترام، كتحية يعطيها جندي لآخر بعد ليلة قاسية على خط النار.

> **«شكراً لكِ يا سارة… لأنكِ سمحتِ لي بإتمام الحراسة.»**

>

ابتسمتُ والدموع تتجمع في عينَي مجدداً:

> **«في أي وقت يا سليمان… في نفس الموعد غداً؟»**

>

ارتسمت ابتسامة صادقة ودفيئة من بين لحيته الرمادية:

> **«غداً… سأكون هنا.»**

>

خرج من القسم، وصوت خطواته الثقيلة يتردد ببطء في الممر، تاركاً وراءه غرفة تغيرت روحها بالكامل عما كانت عليه قبل اثنتي عشرة ساعة. كان يمشي يعرج قليلاً، ويداه لا تزالان ترتجفان… لكن كتفيه كانتا أكثر استقامة، ورأسه مرفوعاً بأمل جديد.

لقد استطاع أخيراً… أن يعيد ابنته إلى الديار.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *