الطفلة والمليونير ج١ – محمد نور
اقترب منها وجثا على ركبتيه مجدداً حتى صار في مستوى نظرها. جلس يتأملها، وفي تلك اللحظة، استرجع صورة أمه وهي تجلس في عتمة الليل تطرز الثياب لكي تؤمن له ولأخوته ثمن الخبز… كم نسى هذا الماضي؟ كم شغله جمع المال عن تفقد آلام الناس؟
«ليان…»، قال بصوت دافئ ومطمئن. «توقفي عن الخياطة الآن. الطبيب في طريقه إلى هنا ليفحص أمكِ ويساعدها على الشفاء».
رفعت ليان عينين ملأتهما الدهشة والدهشة، واستقرت نظراتها على وجهه. ولأول مرة، لمح في عينيها بريق أمل صغير يتسلل من بين التعب والبؤس.
الفصل الثاني
في تلك الليلة، لم يذق نعمان طعماً للنوم. ظلت مشاهد اليوم تتردد في ذهنه ك شريط سينمائي: طفلة صغيرة تخيط الملابس بمفردها، وتحمل على كاهليها عبء العالم، في مبنى قديم كاد أن يتهدم.
في الصباح التالي، استيقظ مبكراً على غير عادته، وهو أمرٌ لا يفعله إلا إذا كان هناك عمل طارئ في الشركة. وبدلاً من أن يتجه مباشرة إلى مكتبه، عرّج على دكان في الحي واشترى بعض الخبز والمواد الغذائية الأساسية.
عندما طرق باب الشقة (4ب)، وكان طرقه هذه المرة رقيقاً وهادئاً، فتحت ليان الباب بسرعة أكبر من المرة الأولى. رفع نعمان أكياس البقالة قائلاً: «أحضرت لكِ بعض الأشياء». وضع الأكياس جانباً، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها وسألها: «هل أستطيع الدخول لدقيقة؟». لم تجب بالرفض، بل تنحت جانباً لفسح المجال له.
سألها إن كانت قد تناولت طعامها، فهزت كتفيها وقالت بصوت خفيض: «خبز قليل مع بعض الملح».
جلس نعمان على الكرسي الوحيد الذي بدا متماسكاً في الغرفة وسألها: «هل أمكِ ما زالت في المستشفى؟». أومأت برأسها وهي تنظر إلى الأرض.
«منذ متى؟»
«منذ ثلاثة أيام.»
«ومن يعتني بكِ الآن؟»
«لا أحد… أنا بخير.»
انعصر قلبه ألمًا، وسألها: «لماذا كنتِ تخيطين بالأمس؟».
رفعت ليان رأسها، وللمرة الأولى بدت مستعدة للحديث: «عليّ أن أسلّم بعض أغطية الوسائد. السيدة أم سمير تعطيني بضع دراهم إذا أنهيتها بسرعة وبشكل جيد».
«ومن هي السيدة أم سمير؟»
«تسكن في الطابق الثالث، هي من علمتني الخياطة عندما مرضت أمي».
«وما الذي تعاني منه أمكِ؟»
صمتت ليان قليلاً، وعضت على شفتها وهي تسترق النظر نحو الباب كأنها تريد الهرب، ثم قالت بصوت خافت كأنه همس: «سرطان الدم (اللوكيميا)».