الطفلة والمليونير ج١ – محمد نور
سألها أخيراً: «ما اسمكِ؟». ترددت قليلاً، ثم قالت: «ليان»، وعادت لاهتمامها بالقماش.
مدّ نعمان يده إلى جيبه، وأخرج محفظته، ثم سحب منها حزمة من الأوراق النقدية ووضعها على الطاولة دون كلمة. لم تكلف ليان نفسها حتى عناء النظر إليها، واستمرت في الخياطة.
خرج من الشقة دون أن يغلق الباب بالكامل خلفه، وكأنه بترك الباب موارباً يضع فارقاً بين أن يرحل للأبد، وبين أن يظل قريباً منها ولو قليلاً.
وقافزاً في سيارته، جلس نعمان لبرهة ينظر إلى عجلة القيادة دون أن يدير المحرك. كان خفقان قلبه سريعاً وثقيلاً. لم تجاربه مع الصفقات الكبرى ولا حساباته البنكية الضخمة بقادرة على تمحيص الصورة التي انطبعت في ذهنه: أصابع ليان الصغيرة المليئة بوخزات الإبر، وقطرة الدم التي مسحتها بطرف ثوبها دون أن تشاكي أو تتوقف.
لم يستطع القيادة بعيداً. ترجل من السيارة من جديد، لكنه هذه المرة لم يتجه نحو الشقة، بل سار عبر الممر المظلم نحو الشقة المجاورة لـ (4ب). طرق الباب، وبعد لحظات فتحت امرأة متقدمة في السن، ترتدي ثوباً بسيطاً وتسترق النظر بحذر.
«نعم؟ من أنت؟» سألت بعينين مليئتين بالارتياب.
«أنا نعمان، صاحب هذا المبنى»، أجابها بنبرة خالية من الاستعلاء لأول مرة منذ سنوات. «أردت فقط أن أسألك عن جارتك في الشقة (4ب)… عن سارة وابنتها».
تغيرت ملامح المرأة فوراً، وتلاشت قسوتها ليحل محلها حزن عميق. زفرت بحسرة وقالت: «آه… مسكينة تلك المرأة. سارة تعمل ليلاً ونهاراً في خياطة الملابس لحساب أحد المشاغل، لكنها أصيبت بحمى شديدة وسعال حاد منذ أسابيع. يزداد وضعها سوءاً كل يوم، ولا تملك ثمن العلاج أو الذهاب إلى المستشفى. أما الصغيرة ليان… فهي تحاول إنهاء الطلبيات بدلاً عن أمها حتى لا يخسروا القوت القليل الذي يبقيهم على قيد الحياة، وحتى لا يطردهم صاحب الملك…».
توقفت المرأة فجأة وتبادلت النظر معه، وكأنها أدركت للتو أنه هو نفسه ذلك «صاحب الملك» الذي يخشونه.
شعر نعمان بغصة في حلقه. لم يقل شيئاً، بل أخرج هاتفه فوراً واستدعى طبيباً خاصاً من معارفه، وأمره بالتوجه فوراً إلى الشقة رقم (4ب) مع كل ما يلزم من أدوية ورعاية طبية، مشدداً على أن يتكفل هو بكل المصاريف.
عاد نعمان بخطوات حثيثة نحو الشقة. فتح الباب الموارب ببطء. كانت ليان لا تزال جالسًة عند ماكينة الخياطة، يدها الصغيرة تدير العجلة بإصرار يسبق سنها بكثير.