في ليلة كلها برد

الناس التفوا حوله… نفس الناس اللي ما كانوا ليبصوا لسلمى.

قدموا له القهوة… ادعوا إنهم كانوا بيدوروا عليه… وابتسموا ابتسامات لم ترها سلمى من قبل.

وقفت بعيد… عند باب بيتها.

لكنه رآها…

واتجه نحوها مباشرة.

— سلمى…

هزت رأسها فقط.

— جيت أشكرك.

أشار لمساعده… الذي قدم له حقيبة جلدية مليئة بالمال.

حبس الجميع أنفاسه.

— إنتي أنقذتي حياتي… وده أقل حاجة أقدر أقدمها.

نظرت للمال… ثم إليه…

— مش هينفع أقبل.

تفاجأ:

— ليه؟ إنتي محتاجة!

الكلمة وجعتها…

— آه محتاجة… علاج لأمي… أكل… سقف أحسن…

بس أنا ما فتحتش الباب علشان أبيع طيبتي.

بدأ الناس يهمسون:

— بتتمثل…

— أكيد عايزة أكتر…

— دي شغلانة ناس!

دمعت عيناها… لكنها رفعت رأسها بثبات:

— أنا فقيرة… بس مش سلعة.

سقط الصمت…

كريم شعر بشيء ينكسر داخله…

لم يخجل منها… بل من نفسه.

— أنا آسف…

— ما تعتذرش… إنت عملت اللي اتعلمته.

— وإنتي اتعلمتي إيه؟

نظرت له بهدوء:

— إن المساعدة الحقيقية… ملهاش تمن.

دخلت وأغلقت الباب…

وتركته واقفًا… لأول مرة في حياته… يشعر أنه أفقر من الجميع.

مرت أسابيع…

عاد أكثر من مرة… لكنه لم يجرؤ على طرق الباب.

بدأ يساعد بصمت… أدوية للمستوصف… إصلاح الطريق… مساعدات بدون اسم.

لكن لم يكن هذا كافيًا…

في يوم… سمع صراخًا:

— الحقوني! أمي بتموت!

كانت سلمى تركض بين البيوت… تستنجد…

لكن بعضهم أغلق الباب في وجهها.

— روحي للمليونير! —قالت واحدة بسخرية— مش كنتِ رافضة فلوسه؟

انهارت…

تبعها كريم فورًا.

دخل البيت… وجد الحاجة زينب على السرير… بالكاد تتنفس.

اتصل فورًا:

— عايز إسعاف حالًا… بأسرع وقت!

لم تعترض سلمى… هذه المرة لم يعد للكبرياء مكان.

في المستشفى…

قال الطبيب:

— الحالة خطيرة…

دخلت سلمى تبكي…

فتحت الأم عينيها بصعوبة… ورأت كريم.

— تعال يا ابني…

ووضعت يده في يد سلمى:

— بنتي قوية… بس لوحدها… لو عندك قلب… ما تسيبهاش.

— أوعدك…

في تلك الليلة…

رحلت.

صرخة سلمى… كسرت قلب كريم.

في الجنازة… كان موجود… لا كرجل غني… بل كإنسان يحمل ذنبًا صامتًا.

بعد الدفن…

— أنا بقيت لوحدي… —قالت سلمى.

اقترب منها:

— لأ… أنا موجود.

نظرت له طويلًا…

لكنها لم تبتعد.

مرت الأيام…

عرض عليها تروح القاهرة…

— مش عايز أساعدك كدين… عايزك تبني حياتك بنفسك.

وافقت… بعد صراع.

في القاهرة…

بدأت من الصفر…

خياطة… تعليم أطفال…

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *