زهور الياسمين

​انفجرتُ بالبكاء، لكنه لم يكن بكاء انكسار، بل كان بكاء العودة إلى الذات. طارق ملأ بيتي بزهور الأوركيد الباهظة الثمن لأنه يحب المظاهر، بينما هؤلاء البسطاء في الميدان زرعوا الياسمين لأنهم أصغوا إلى روحي بصدق.

​بعد ثلاثة أشهر، أصبحت الإجراءات القانونية حطامًا متناثرًا دفع ثمنه طارق بمفرده. خسر شركته، ونُزع اسمه من مجالس الإدارات، وتحول في نظر المجتمع من رجل نفوذ إلى تحذير يسير على قدمين. التقينا للمرة الأخيرة في الممر القانوني لتوقيع أوراق الطلاق النهائية واستعادة اسمي بالكامل: ليال الشريف.

​بدا طارق نحيفًا، غادره ذلك البريق الزائف الذي كان يحيط به. نظر إليّ وقال بصوت مكسور: “وجدتُ إيصالاً قديمًا من بائع الزهور في أول شهر لزواجنا.. كنتِ قد طلبتِ الياسمين، لكنه كان مقطوعًا من السوق فاستبدله بالأوركيد، ومنذ ذلك الحين لم أكلف نفسي عناء السؤال مجددًا.. ظننت أن باهظ الثمن يعوض عن الاهتمام”.

​نظرتُ إليه بأسف عميق، وقلت: “الحياة مليئة بأبواب صغيرة يا طارق، كان يمكن لالتفاتة بسيطة منك أن تفتحها، لكنك فضلت أن تظل واقفًا أمام مرآة كبريائك. أتمنى أن تصبح شخصًا أفضل في مستقبلك”. تركته ومشيت نحو الضوء الذي كان ينتظرني عند عتبة الباب الخارجي.

​عُدتُ إلى منزلي، الذي أعدتُ صياغته ليكون دافئًا وحقيقيًا؛ تخلصتُ من المقاعد الفاخرة الباردة وضعت مكانها أرائك مريحة، وفتحتُ النوافذ ليدخل هواء الربيع النقي. وفي زاوية المطبخ، استقر أصيص فخاري كبير يحمل نبتة ياسمين حية أرسلتها أميرة من نيروبي، بدأت براعمها تتفتح واحدة تلو الأخرى، لتملأ المكان بعطر دافئ لا يعرف الخداع.

​في تلك الأمسية، اجتمعنا حول طاولة الطعام المزدحمة بالأطباق البسيطة؛ نادية حافية القدمين تضحك، وأميرة تتحدث بحماس عبر شاشة الحاسوب المحمول، والملفات القانونية مغلقة على الرف البعيد. رفعت نادية كأسها وقالت بابتسامة نابعة من القلب: “إلى ليال الشريف.. السيدة التي تفتحت كالياسمين في أشد الأوقات صعوبة”.

​نظرتُ إلى الوجوه المحيطة بي، إلى عطر الياسمين الذي يملأ الغرفة، وشعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة، بأنني لستُ تحت المراقبة، بل أنا مرئية، ومحبوبة، وفي بيتي الحقيقي.

صفحة روايات وحكايات

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *