انتي فاشلة- حكايات منال علي ٣

الجزء الثالث
في أول شهر يناير، وسط البرد اللي بيرعش العضم، الدكاترة قرروا إن منة لازم تتحجز في المستشفى بشكل عاجل.. حمل ثلاثي في الشهور الأخيرة محتاج متابعة دقيقة ومستمرة وتجهيز لغرفة العمليات في أي لحظة.
الأوضة اللي اتحجزت فيها كانت مشتركة مع تلات ستات تانيين، كل واحدة منهم ليها قصة وحكاية ووجع.
برا الشباك الكبير بتاع الأوضة، كانت جنينة المستشفى القديمة واضحة.. شجر عريان من الورق واقف صامد تحت سما القاهرة الرمادية المغيمة. الوقت جوا المستشفى كان بيمشي ببطء قاتل، كأن الساعة مابتتحركش. منة كانت بتقضي ساعات طويلة، سانده راسها على المخده السخنة، وتبص من الشباك على الشجر والسما، وبتحاول بكل قوتها إنها ما تفكرش.. لا في الماضي اللي وجعها وهدّها، ولا في المستقبل اللي هي محتارة فيه ومش عارفة هتعيشه إزاي لوحدها مع تلات أطفال.
وفي يوم من الأيام..
الباب الخشب بتاع الأوضة اتفتح بهدوء. ودخل راجل بالغلط.
كان أسمر الملامح، طويل، لابس بالطو أبيض في إيده ووشه هادي ومريح جداً. وقف فجأة لما لقى الأوضة كلها ستات، وعرف إنه غلط في العنوان، وابتسم بابتسامة اعتذار حقيقية وقال بصوت رخيم وهادي:
— أنا آسف جداً يا جماعة.. واضح كدة إني دخلت الأوضة الغلط تماماً!
منة، اللي مكنتش بتضحك بقالها شهور، ابتسمت تلقائياً وقالتله:
— ولا يهمك يا دكتور.. بتحصل كتير هنا.
هز راسه بأدب وخرج بسرعة وجري على الممر.
وبس.. افتكرت إن الحكاية خلصت هنا.
لكن بعد يومين، رجع تاني. المرة دي مكنش غلطان، كان جاي يزور حالة تخصه ويسأل على ست من الموجودين في الأوضة. وبعد ما خلص كلامه معاها وطمنها، الست دي حبت تعرفه على جيرانها في الأوضة، وشاورت على منة وقالتله بفخر كأنها قريبتها:
— دي منة يا دكتور.. ومستنية ما شاء الله توأم ثلاثي!
بصلها الدكتور يوسف بابتسامة واسعة، مفيهاش أي فضول تطفلي، بل كل تعاطف وتقدير، وسألها:
— دي أول مرة ليكي؟ يعني أول حمل؟
ردت وهي بتحضن بطنها بإيدها:
— أيوه.. أول مرة.
— وإحساسك عامل إيه وسط العاصفة دي؟
فكرت ثواني، كأنها بتدور على الكلمة الصح، وقالتله:
— بحاول أكون طبيعية.. على قد ما أقدر.
ضحك بخفة وهز راسه بإعجاب:
— تصدقي.. إن الواحد يفضل طبيعي ومتماسك وسط كل الظروف دي، دي لوحدها تعتبر بطولة حقيقية!
وبعدين مد إيده بوقار وعرفها بنفسه:
— أنا دكتور يوسف عادل.. استشاري حضّانات الأطفال حديثي الولادة هنا في المستشفى.. مطلق، وعندي بنوتة صغيرة عايشة مع مامتها.
من اليوم ده، وبقت حاجة أساسية.. كل ما دكتور يوسف يمر على القسم أو ييجي المستشفى، كان لازم يعدي على أوضة منة. يخبط ويدخل يسأل عليها وعلى أحوالها. كلامه كان دايماً بسيط ومريح ومفيهوش زيف. وأكتر حاجة منة كانت بتحترمها وتحبها فيه، إنه عمره ما قالها الجملة المستفزة والمكررة: “ما تقلقيش، كله هيبقى تمام وبخير”.
كان دايماً بيقولها جملة تانية خالص، جملة بتزرع الأمان بجد:
— إحنا جاهزين لأي حاجة ممكن تحصل.. ومتدربين كويس أوي ليها.
والجملة دي كانت بتطمنها أكتر من أي وعود وهمية. وفي يوم من الأيام، قعد جنب سريرها وقالها بصراحة:
— يا منة، الأطفال بنسبة كبيرة جداً هيتولدوا بدري عن ميعادهم.. بس أنا بوعدك، وبصفتي دكتور حضّانات، إننا هنقومهم بالسلامة وهياخدوا أفضل رعاية. أوعدك بده.
وبدأت علامات الولادة في أواخر شهر فبراير.. بدري بسبع أسابيع كاملة عن الميعاد الطبيعي!
منة بعد اللحظة دي مابقتش فاكرة تفاصيل كاملة، كانت الحكاية بالنسبة لها عبارة عن لقطات سريعة ومتفرقة من فيلم سينما:
أنوار العمليات القوية اللي بتجهر العين..
أصوات الدكاترة والممرضات وهما بيتحركوا بسرعة وجري..
الحيطان البيضا الساقعة..
الوجع الرهيب اللي عصر جسمها..
ثم.. فجأة..
صوت بكاء صغير وضعيف.. وبعده بثواني صوت تاني.. وبعده صوت تالت!
تلات أصوات بكاء ورا بعض، كأنها أوركسترا موسيقية بتعلن إن الحياة تغلبت على الموت ورجعت تخبط على باب قلب منة من جديد.
دخل عليها الدكتور يوسف الحضّانة بعد ما فاقت بكام دقيقة، ووشه منور بالابتسامة، وقالها وهو بيطمنها:
— التلاتة زي الورد وبخير.. وبيتفسوا لوحدهم من غير تنفس صناعي كامل.. معجزة بجد يا منة!
وقتها بس.. منة سمحت لدموعها تنزل بجد ولأول مرة من شهور طويلة.. عيطت بدموع الفرحة والراحة وتفريج الهم.
سمّت البنتين:
“ملك” و”سلمى”.
وسمّت الولد:
“عمر”.
أسامي بسيطة، مفيهاش فزلكة، لكن قريبة جداً لقلبها وبتفكرها بالطيبة والسلام.
خلال الأسابيع اللي بعد الولادة، كانت منة بتنزل كل يوم للحضّانات.. تقعد جنب الأجهزة الازاز، تحكي للعيال الصغيرة حكايات بصوت واطي، وتغني لهم الأغاني القديمة اللي أمها كانت بتغنيهالها وهي صغيرة، وتفضل تبص لملامحهم الدقيقة بالساعات من غير ما تمل.
والدكتور يوسف كان بيظهر دايماً..
مرة ييجي عشان يطمنها على قراية التحاليل للأولاد..
ومرة عشان يشرح لها إزاي تتعامل معاهم لما يخرجوا..
ومرات كتيرة تانية كان بيعدي من غير أي سبب طبي واضح.. لمجرد إنه يشوفها ويقعد يتكلم معاها.
بقوا يتكلموا عن الكتب اللي بيحبوها، عن تفاصيل حياتهم القديمة، عن خيبات الأمل، وعن الأمل اللي اتولد فجأة من رحم التعب.
ولما الأطفال كبروا وخرجوا أخيراً من المستشفى ورجعوا البيت.. يوسف مقدرش يبعد.
بعد أسبوع واحد بس من خروجهم، راح زارهم في شقتهم البسيطة. وقف على الباب وهو لابس قميص كاجوال وشايل علبة شوكولاتة فخمة وألعاب صغيرة، وقال وهو مكسوف ومبتسم:
— أنا جيت أطمن على العيال.. طبعاً ده بشكل طبي ومهني بحت يعني.. وبعد ما أخلص كشفي، ممكن نشرب فنجان قهوة سوا؟
الحاجة فاطمة بصت لمنة بنظرة فيها خبث الأمهات وفرحتهم، ومنة وشها احمر وابتسمت وسكتت.. والسكوت طبعاً كان علامة الرضا.
وده كان البداية الحقيقية للسنة اللي منة بعد كدة سمّتها في كشكولها الملون: “سنة المعجزة”.
كانت سنة طويلة.. مرهقة لأقصى درجة، وزحمة دوشة، وصوت صريخ وعياط وتغيير بامبرز ورضاعة طول الـ ٢٤ ساعة. البيت اتقلب راساً على عقب، ومبقاش فيه دقيقة نوم واحدة متواصلة. كل ساعة كانت بتعدي بمغامرة جديدة، وكل ليلة كانت امتحان صعب لأعصاب منة وأمها.
لكن الدكتور يوسف مكنش بيسيبهم.. بقى ييجي أكتر وأكتر.
بييجي بهدوء، من غير ما يطلب مقابل، ومن غير وعود كدابة أو كلام حب كبير في الهوا. كان موجود بفعل حقيقي.. موجود وبس.
ساعات كان ييجي بالليل متأخر بعد نبطشية الشغل، ولما يشوف منة منهارة من التعب ومش قادرة تقف على رجلها، كان يطلب منها تدخل تنام.. ويقعد هو يحضر الرضعات بالتساوي، ويشيل “عمر” الصغير وهو نايم، ويهدهده ويطبطب عليه، ويقعد يتكلم مع منة بصوت واطي جداً عن أي حاجة تانية برة الهم.. عن الشتا اللي قرب يخلص، عن الشغل وضغطه، وعن إن الشمس أكيد هتطلع الصبح وهتنور الدنيا.
وفي ليلة من ليالي الربيع الدافية، والهدوء ساد البيت أخيراً بعد ما العيال ناموا، بصت له منة وقالتله فجأة بنبرة دهشة:
— يوسف… إنت مستوعب بجد إن في هنا ٣ أطفال؟ يعني مسؤولية مرعبة ودوشة طول العمر؟
ضحك من قلبه وقالها بصوته الدافئ:
— يا بنتي.. أنا شغلي وحياتي كلها مع الأطفال الصغيرين دول.. مفيش أسهل منهم.
سألته وهي بتبتسم وعيونها بتلمع بفرحة مكنتش بتفارقها بقالها فترة:
— طب والكبار؟ هتعمل معاهم إيه؟
بصلها للحظة طويلة، وبان في عيونه كل الحب والصدق اللي في الدنيا، وقالها:
— دول لسه بتعلم إزاي أتعامل معاهم وأحبهم… منك إنتي.
واتجوزوا في شهر مايو اللي بعده.
فرح بسيط جداً وضيق.. اتعمل في جنينة صغيرة، ومكنش فيه غير الحاجة فاطمة، وأخت يوسف، وسارة صاحبتها، وشوية أصحاب مقربين جداً. فرح من غير هيصة ولا مظاهر كدابة، فرح حقيقي شبه قلوبهم.
وبعد الجواز بفترة، يوسف وبمنتهى الهدوء والثقة والرجولة، قدم أوراق رسمية وتبنى الأطفال التلاتة وسجلهم باسمه عشان يبقوا ولاده قدام القانون وقدام الدنيا كلها.
ولما منة شافته وهو واقف في المحكمة وبيمضي الأوراق وعيونه مليانة فخر وحب لولادها، افتكرت حاجة واحدة بس كانت دايماً بتتمناها:
“أهو ده الراجل اللي بجد.. الراجل اللي ما بيهربش لما الدنيا تضلم.. الراجل اللي بيختار بملء إرادته إنه يفضل ويشيل معاك الشيلة”.
أما كريم… طليقها..
فعمره ما عرف أي حاجة عن ولادها ولا حياتها الجديدة، ومنة عمرها ما حاولت تخليه يعرف أو تدور وراه. بالنسبة لها، قصته كانت كتاب قديم ومترب واتقفل واترمى في بحر النسيان من زمان.. قصة مابقاش ليها أي مكان في حاضرها.
السنين جريت بسرعة البرق..
ملك وسلمى بقوا بيكبروا ويتخانقوا على اللعب والفساتين في الصالة، وعمر اتعلم يضحك ضحكة يوسف وهو نايم. منة عاشت أيام صعبة وتعب كتير، بس كانت أيام كلها فرح ورضا وسعادة حقيقية. تعب جميل.. تعب من النوع اللي بيخليك تحس بقيمة كل ثانية بتعيشها، وبإن حياتك بقى ليها طعم ومعنى ورسالة.
وفي أوقات كتيرة بالليل..
لما البيت بيهدا تماماً، ومنة تكون بتهدهد واحد من العيال في سريره وتبص ليوسف وهو نايم جنبهم على الكنبة من كتر التعب بعد يوم شغل طويل.. كانت تبتسم وتفتكر إن “البداية الجديدة” مكنتش مجرد اسم لمركز الحقن المجهري اللي راحتله زمان وهي مكسورة وضايعة..
البداية الجديدة الحقيقية كانت في اللحظة اللي ربنا بعتلها فيها حد يختار بصدق إنه يفضل جنبها ويسندها.. في الوقت اللي غيره استسهل الطريق واختار يمشي ويسيبها.
وفي قلب منة، اللي كان زمان مليان فراغ ووجع وخوف..
بقى دلوقتي بيدق جواه وبقوة.. تلات قلوب صغيرة… وقلب راجل حماها وصانها.. ودول بقوا هما الدنيا وحياتها الجديدة كلها. ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *