ثمن النجاح والعودة
> “لن أترجى شخصاً اختار بنفسه أن يغادر حياتي”.
>
بعد أشهر، وفي نفس البيت الريفي المتواضع الذي ولدت فيه، أنجبت ليلى طفلتين توأم.
كانت لهما عيون واسعة لامعة وملامح جعلت شبههما بوالدهما لا يمكن إنكاره.
أسمتهما “أمل” و”حنان”، لأنهما جاءتا إلى العالم معاً—وساعدتاها على مداواة جراحها معاً.
بدأت الحياة تجد إيقاعها من جديد ببطء.
ثم، بعد بضعة أسابيع فقط، حدث شيء غير متوقع.
أثناء توصيلها لبعض المحاصيل والخضروات إلى مستشفى القرية العام، سمعت ليلى بكاء طفل حديث الولادة لا يتوقف في ممر هادئ. كانت الممرضات يتهامسن؛ فقد توفيت والدة الطفل أثناء الولادة، ولم يكن له أقارب معروفون، ولا أحد مستعد لتبنيه وتحمل مسؤوليته.
عندما اقتربت ليلى، لف الرضيع أصابعه الصغيرة حول أصبعها، ورفض أن يتركها.
لم تتردد ليلى ثانية واحدة، وضمت الصغير إلى صدرها وهمست له بلطف:
“لن تكون وحيداً بعد الآن”.
وأسمته “كريم”.
انتقد بعض أهل القرية قرارها بهدوء، وطرح آخرون أسئلة اختارت ألا تجيب عليها. وكلما قال لها أحدهم إنها تحملت عبئاً فوق طاقتها وهي أم وحيدة، كانت تجيب ببساطة:
> “الطفل لا يحتاج إلى إذن لكي يُحَب”.
>
ثم عادت إلى حقولها.
امتلأت أيامها بالعمل والتراب، والضحكات التي يتردد صداها بين المحاصيل، وثلاثة أطفال يملؤون الدار حركة وبهجة حيث كان يسكن الحزن والوحدة يوماً ما.
### العودة والمواجهة
مر عامان.
في هذه الأثناء، أصبح عصام كل ما كان يحلم به؛ نمت شركته بسرعة، وتضاعفت ثروته، وتصدر اسمه صفحات الأخبار الاقتصاديّة. ومع ذلك، كان هذا النجاح يبدو فارغاً وبلا طعم بشكل غريب.
ذات يوم، أعاده مشروع استثماري جديد لشراء أراضٍ وتطويرها إلى الريف الذي تركه وراءه. ولمحت عيناه اسم المسؤولة عن رعاية تلك الأرض في الوثائق، ولم يثره الاسم في البداية: “ليلى”.
تباطأت سيارته الفارهة بالقرب من السياج الخشبي المألوف، وضربته الذكريات كعاصفة مفاجئة.
ترجل عصام من السيارة، وغاص حذاؤه اللامع في تراب الطريق.
ثم رآها.
كانت تجثو بين الخضروات، والشمس تدفئ وجهها، وشعرها منسدل على ظهرها.
انقبض صدره، ونادى بنبرة متحشرجة:
“ليلى…”
التفتت إليه بهدوء شديد، وقالت كأنها تحيي غريباً:
“أهلاً يا عصام.. هل جئت لتشتري ما تبقى من الأرض التي تركتها؟