انتي فاشلة – حكايات منال علي ٢

الجزء الثاني
وصلت أم منة، الحاجة فاطمة، بعد تلات أيام من التعب والوجع اللي كان كابس على نفس منة.
كانت جاية وشايلة في إيدها شنطة سفريات قديمة، بس مليانة بروايح البلد.. أكل بيتي سخن معمول بمحبة، وفطير مشلتت، وبطرمان مش، وحاجات تانية كتير كأنها جاية تفتح بيت جديد. الحاجة فاطمة ما كانتش من الستات اللي بتعرف تقول كلام رومانسي أو تطبطب بكلام معسول، لكن كانت من الستات اللي خبرتها في الحياة بتخليها تسد في أي مصيبة، وحبها بيظهر في لمتها للبيت، ونظافتها، وطبختها اللي بتعدل المذاج. حب ساكت من غير ولا كلمة زيادة.
بقت الشقة بتجمعهم هما الاتنين سوا.. منة بكسرتها وحملها اللي لسه في أوله، والأم بقلبها الصاحي اللي مش بيموت.
وفي وسط الضيق والوجع اللي منة كانت حاسة بيه بعد ما اتخلت عنها الدنيا، بدأ يتسرب جوا الشقة إحساس غريب بالأمان.. دافي ولطيف.
الحاجة فاطمة كانت صاحية من النجمة، توضّب، وتكنس، وتطبخ اللقمة اللي ترم عضم بنتها، وتغصب عليها تاكل عشان “الغلابة اللي في بطنها”. ومنة كانت بترتاح.. بتغمض عينيها وهي سامعة صوت كركبة المواعين في المطبخ وصوت أمها وهي بتدعي لها بصوت واطي وصلاة الفجر شغالة في الراديو. بدأت منة تتعلم بالتدريج إزاي توقف عقلها عن التفكير، إزاي ما تفكرش في كل المشاكل مرة واحدة، وتاخد اليوم بيومه، كأنها بتدرب قلبها على الصبر.
أما كريم… طليقها وسر وجعها..
فكانت بتحاول بكل ما أوتيت من قوة إنها تمسحه من خيالها. تلغي ملامحه وصوته من ذاكرتها. أو على الأقل، ده اللي كانت بتدعيه قدام نفسها وأمها.
لكنه اتصل.. اتصل مرة واحدة بس بعد أسابيع من الصمت.
التليفون رن، ومنة مسكته وإيدها بتترعش، ردت وصوتها كان خالي من أي مشاعر. كريم ما سألهاش عن صحتها ولا تعبها، دخل في الموضوع علطول ببرود وقال:
— منة، إحنا لازم نتكلم بخصوص الشقة.
الشقة دي كانت باسمه من قبل الجواز، ورثها عن أبوه، وهو كان دايماً بيحسسها إنها مجرد ضيفة فيها. عشان كده، منة ما تفاجأتش، وجمعت كل كبريائها وسألته بمنتهى الهدوء اللي يخوف:
— إمتى المفروض أمشي وأسيبهالك؟
سكت للحظة، كأنه اتفاجئ ببرودها، وقال بلهجة فيها تراجع خفيف:
— مش دلوقتي طبعاً.. قدامك حوالي ٣ شهور على ما تظبطي دنيتك وتشوفي مكان.
ردت بكلمة واحدة، مفيهاش أي رجاء:
— ماشي.
كانت لسه هتقفل، بس هو سكت شوية، كأن ضميره صحي فجأة أو الفضول غلبه، وسأل بصوت واطي:
— منة… عاملة إيه؟
ردت عليه بكلمة واحدة، اختصرت فيها كل وجع الدنيا وعزة نفسها:
— ماشية حالي.
وقبل ما يسمع منها نفس تاني، كانت قفلت السكة.
خلال التلات شهور دول، الأيام كانت بتجري زي الرمش. منة كانت بتنزل في عز الحر والبرد تدور على شقة إيجار تكون على قد جيبها، وتروح في نفس الوقت كل مواعيد المتابعة عند الدكاترة.
وفي عيادة السونار، كان التأكيد اللي غير مجرى حياتها كلها.. السونار أكد الخبر اللي يطير العقل:
٣ أطفال.. ولد وبنتين!
الدكاترة لما عرفوا، كلامهم اتغير وبقوا دايماً حذرين جداً. كانوا بيتكلموا بنبرة هادية بس مليانة تحذيرات عن المخاطر، والولادة المبكرة، والمضاعفات اللي ممكن تحصل للأم وللأجنة. لكن الغريب إن في عيون منة، في اللحظة دي بالذات، انطفت كل شموع الخوف، وظهر هدوء عجيب وقوة مكنتش تعرف إنها تملكها. كأنها أخيرًا لقت المعركة اللي تستحق تحارب وتعيش عشانها.
اشترت كشكول كبير أوي، غلافه ملون ومبهج.
وبدأت تكتب فيه أدق تفاصيل حياتها الجديدة.. خطوة بخطوة..
صفحة لمواعيد السونار.. صفحة لأسماء الدكاترة وأرقام تليفوناتهم.. صفحة لنتائج التحاليل ونسبة الهيموجلوبين.. وصفحات تانية كتيرة مخصصة لملاحظاتها اليومية: “النهاردة حسيت بحركتهم لأول مرة”، “النهاردة أمي عملتلي شوربة خضار وكلتها كلها”. كانت بترسم خطة واضحة لحياتها الجديدة، كأن الكشكول ده هو سفينة النجاة اللي هتعبر بيها لبر الأمان.
وفي شهر نوفمبر، لما الهوا البارد بدأ يداعب شوارع القاهرة، نقلوا للشقة الجديدة.
منة… وأمها الحاجة فاطمة… وبطنها اللي كانت بتكبر وتبرز يوم بعد يوم بشكل يلاحظه الكل.
الشقة كانت صغيرة، تقع في دور أرضي بشارع هادي ومتفرع من شوارع مصر القديمة. عمارة قديمة من بتاعة زمان، جدرانها عالية ودافية وفيها روح وريحة ناس طيبين. صاحبة الشقة كانت ست مسنة، أرملة طيبة اسمها “الحاجة هدى”، عايشة لوحدها وبتحب الهدوء، وأول ما شافت منة وأمها حست بإن ربنا بعتلها ونس.
الجيران في الأول كانوا بيبصوا لمنة وهي طالعة ونازلة ببطنها الكبيرة من غير راجل باستغراب، وتهمساتهم مكنتش بترحّم. لكن مع الوقت، وبسبب طيبة الحاجة فاطمة وسلامة نيتهم، اتعودوا عليهم وبقوا بيعاملوهم كأنهم من أهل الحتة.
الشغل طبعاً وقف تماماً..
في الأول منة أخدت إجازة مرضية، وبعدين قدمت على إجازة حمل كاملة ورعاية طفل. الفلوس طبعاً كانت على القد بالظبط، والقرش بيطلع بحسابه. بس بركة ربنا كانت مالية البيت، والحاجة فاطمة كانت بتساعد بمعاشها البسيط وتدبيرها العجيب للميزانية. وسارة، صاحبتها الوفية والوحيدة، كانت بتيجي كل أسبوع تقريباً وشايلة معاها علب أكل جاهز وتورتة صغيرة، وتقعد تحكيلها عن تفاهات الشغل وصراعات الموظفين في الشركة عشان تنسيها همها وتضحكها من قلبها.
بقت حياة منة أبطأ بكتير من الأول..
يومها عبارة عن: لقمة دافية، نوم متقطع بسبب ثقل الحمل، قراية في كتب تربية الأطفال، ومواعيد دكاترة مابتخلصش.. واستنى.. استنى وبس، والانتظار ده كان أصعب اختبار لقلبها.
وووووو….
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *