الصقيع في الداخل

​ثم نظر إلى اليافطة الخشبية المعلقة وسألني: “هل تعتقدين أن هذا المكان يمكن أن يعود كما كان في السابق؟”

​كنت أعلم أن المحامين سيأتون، وأن المستثمرين الغاضبين سيملأون المكان بالدعاوى القضائية، وأن الرجال الذين يرتدون البدلات الرسمية سيتحدثون عن “الأضرار المالية” و”حقوق الملكية”… أنا عجوز لست مغفلة، وأعرف كيف تدار الأمور.

​ولكنني نظرت إلى الجناح الغربي، حيث كانت “إيلين” تعلّق لافتة مكتوبة بخط اليد تقول: (منطقة الدفء مفتوحة للجميع)، وإلى الطفلة الصغيرة التي تنام بسلام تحت بطانية رمادية بعد أن شبعت من الحساء دون أن يطالبوا والدتها ببطاقة بنكية.

​نظرت إلى تايلر وقلت: “لا يا بني… لن يعود كما كان.”

تغيرت ملامحه للحظة، فأكملت بابتسامة: “بل سيصبح كما كان ينبغي له أن يكون دائماً.”

​أخرجت المفتاح النحاسي الثقيل ووضعته في كفه. حاول الرفض قائلاً: “لا يمكنني أخذه.”

أجبتُه وأنا أنظر إلى المدفأة التي بنتها يد “دانيال” النازفة قبل عقود: “أنت لا تأخذه يا تايلر… أنت فقط تحافظ عليه دافئاً.”

​نهضتُ ببطء، وحين حاول مساعدتي أشرت له بيدي أنني أستطيع الوقوف. لقد عشت واقفة لفترة أطول مما يتخيل أي شخص في هذه الردهة.

​وقفنا معاً، كتفاً بكتف، عائلة عثرت على نفسها في رماد مكان حاول نسيانها. تطلع “تايلر” إلى اللوحة الخشبية وقرأ بصوت منخفض القاعدة الأولى التي وضعها جده الأكبر:

(لا يُطرد مسافر من الدفء أثناء العاصفة).

​سألني: “هذه كانت قاعدته… وماذا عن قاعدتكِ أنتِ؟”

نظرت إلى العمال، إلى الضيوف، إلى الغرباء الذين يتدفأون بالقهوة، ثم نظرت إليه وقلت:

“بل قاعدتنا… نحن.”

​ولأول مرة منذ أن خطوت داخل تلك الأبواب الزجاجية بمعطفي المبتل البالي، شعرت أن المنتجع يعرفني أخيراً… ليس كعجوز فقيرة تائهة تبحث عن الدفء، بل كالمرأة التي عادت إلى بيتها… ومعها المفتاح..

Ahmad Suliman

تمت بحمد الله

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *