الصقيع في الداخل

نظرت إليّ موظفة الاستقبال الشابة بطرف عينها، متأملةً حذائي الذي أفسده طين المطر والثلوج، وقالت بنبرة باردة: “هذا المنتجع خاص بالنزلاء فقط يا خالة.”

​في تلك الأثناء، ضحك أحد الضيوف الأثرياء الجالسين قرب المدفأة وقال ساخراً إنني ربما دخلت لمجرد التماس الدفء المجاني، بينما تظاهر الجميع في ردهة المنتجع ذي النجوم الخمس بأنهم لم يسمعوا شيئاً. لكنني حين التفتُّ نحو الموظفة بهدوء وطلبت منها أن تعيد على مسامعي اسم المنتجع، لم تكن تدرك أبدًا أنها استهانت للتو بالمرأة الوحيدة التي كان ينبغي ألا ينساها أحد في هذا المبنى.

​لم يكن صوت البيانو أول ما تناهى إلى مسامعي فور دخولي منتجع “قمة الرماد”.

​ولا كان صوت حفيف الحطب في المدفأة.

​ولا حتى صوت العاصفة الشتوية وهي تضرب نوافذ الجبل العملاقة.

​بل كان صوت شابٍ يافع، ارتفع ليرنّ في أرجاء الردهة كلها قائلًا: “هذا المنتجع خاص بالنزلاء فقط يا خالة.”

​انغلقت الأبواب الزجاجية الأوتوماتيكية خلفي بصرير خافت، لتحتجز البرد القارس في الخارج، وتحبس نظرات الجميع في الداخل.

​كانت بقايا الثلج تذوب من أطراف معطفي الصوفي القديم لتسقط على الأرضية الرخامية المصقولة. كان وشاحي الرمادي قد بهت لونه من طول السنين، بينما قبضت يدي المغطاة بقفاز بالٍ على حقيبة قماشية صغيرة أرحتها إلى جانبي. كنت أعرف تماماً كيف تبدو هيئتي.

​متعبة.

​بسيطة.

​ويسهل تجاهلي.

​وكان هذا كل ما يحتاجه “طارق” ليطلق حكمه.

​كانت بطاقة اسمه الذهبية تلمع تحت أضواء الردهة الدافئة. لم يكن يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، بقميصه المكوي بدقة مفرطة، وتلك الابتسامة المتصلبة التي تُميز من تدرّبوا على حراسة مظاهر الرفاهية قبل تعلم أصول اللطف.

​من حولي، كان المنتجع يتلألأ وكأنه بطاقة معايدة صُنعت خصيصاً لأولئك الذين يملكون سائقين خصوصيين.

​ثريات فاخرة مُصممة من قرون الغزلان تدلت من الأسقف الخشبية العالية. مقاعد جلدية فاخرة تحلقت حول موقد حجري هائل. أوانٍ بلورية مليئة بالفاكهة المجففة الفاخرة. ضيوف يرتدون كنزات الكشمير الناعمة ويحتسون دلال القهوة والشاي قرب الشرفة، بينما كان عازف البيانو يداعب الأزرار بنغمات هادئة تُضفي على الثراء هالة من القدسية.

​وقفتُ بهدوء خلف المدخل تماماً.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *