الشقة ٣٠٩_ حكايات محمد نور

الرمز المجهول في الشقة 309

 

لم تكن تملك سوى أربعة وسبعين جنيهاً ونصف الجنيه، لكنها حملتها بثقة طفلة تعرف أن لا أحد سيساعدها سواه.

 

طرقت باب الرجل الذي يخشاه نصف أهل المرفأ، وقالت بهدوء:

“أريدك أن تخيف الوحش الذي يسكن الشقة 309.”

 

لم يكن أحد في تلك اللحظة يدرك أن كلماتها البسيطة ستقود إلى كشف سرّ مدفون منذ سنوات… وسجنٍ خفيّ تحت أساسات البناية.

 

دخلت الطفلة أفخم مطاعم المرفأ، وثيابها الزرقاء تقطر ماءً، تاركة خلفها آثاراً صغيرة فوق الأرضية الخشبية اللامعة. وما إن عبرت القاعة حتى خفتت الأحاديث، وتوقفت الضحكات، حتى عازف البيانو أخطأ النغمة لأول مرة منذ بداية الأمسية.

 

لم يمنعها أحد.

 

ربما لأن الحراس لم يستوعبوا كيف تجاوزتهم، أو لأن في خطواتها شيئاً من الحزم لا يعرفه إلا الأطفال الذين تعلّموا مبكراً أن الخوف لا يمنعهم من المضي.

 

كانت في السابعة من عمرها، بشعر أسود مبتل يلتصق بوجنتيها، وعينين متعبتين أكبر من سنّهما بكثير.

 

في أقصى القاعة، جلس منصور الخالدي.

 

رجل لا يرفع صوته أبداً، لأن الجميع يلتزم الصمت بمجرد حضوره.

 

كان يملك المطعم، وعدة مخازن على الرصيف البحري، وشركات نقل، وعقارات تمتد على طول الكورنيش، إلى جانب أعمالٍ أخرى لم تكن تظهر في أي سجل رسمي. حتى الشرطة كانت تتعامل معه بحذر، والمدينون له يتجنبون نطق اسمه كاملاً.

 

وقفت الطفلة أمامه، ثم أخرجت كيساً صغيراً من المخمل الأحمر، بدا قديماً ورطباً، وقلبته فوق المفرش الأبيض.

 

تناثرت العملات المعدنية بصوت بدا أفقر من أن يليق بالمكان.

 

قالت بثبات:

 

— إذا دفعت لك… هل يمكنك أن تخيف الوحش الذي في الشقة 309؟

 

في اللحظة نفسها، تحرك رئيس الحرس راشد واضعاً يده أسفل سترته، لكن منصور أشار إليه بإصبعين فقط، فتراجع فوراً.

 

ظل منصور ينظر إلى العملات.

 

جنيهات، وخمسات، وعملات صدئة، وأخرى مخدوشة كأنها خرجت من بين الأنقاض.

 

ثم رفع بصره وسأل:

 

— ما اسمك؟

 

— أمل زهران… لكن أمي تناديني “أملي”.

 

— ولماذا تظنين أنني أستطيع طرد الوحوش؟

 

ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:

 

— لأن بائعة الفطائر قالت إنك تملك كل شيء هنا… وحتى بنايتنا ملكك. وإذا كانت البناية ملكك… فمن حقك أن تأمر الوحش بالرحيل.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *