الشقة ٣٠٩_ حكايات محمد نور
قطبت حاجبيها.
— بماذا؟
قال:
— بالثقة.
ثم أردف:
— وهي عندي أغلى من أربعة وسبعين جنيهاً ونصف.
لم تعرف إن كان يمزح أم لا.
وقفت مترددة، قبل أن يلتفت منصور إلى راشد.
— أوصلها إلى باب شقتها… لكن لا تدع والدتها تراك.
غادرت الصغيرة.
وقبل أن تختفي، التفتت وسألته:
— عم منصور…
— نعم؟
— هل تخاف أنت من الوحوش؟
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بصوت هادئ:
— عندما يكبر الإنسان… يكتشف أن الجميع يخاف من شيء.
ثم أضاف:
— لكن أخطر الوحوش… هي التي تعلمت ارتداء البدلات الأنيقة.
—
ما إن أغلقت الطفلة الباب خلفها، حتى أمسك منصور هاتفه.
قال بلهجة لا تحتمل التأخير:
— أريد كل شيء عن عمارات اللؤلؤة… البرج (ج)… الشقة 309… المرأة التي ماتت… قرار الهدم… وكل التراخيص.
سأل راشد:
— متى تريد الملف؟
نظر منصور إلى آثار الماء التي تركتها العملات على المفرش الأبيض، وقال:
— كنت أريده… قبل ساعتين.
—
عند الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، وضع راشد ملفاً سميكاً فوق المكتب.
المرأة التي ماتت في الشقة 309 كانت تُدعى ليلى مهران.
صحفية استقصائية.
أُغلقت الق/ضية باعتبارها انتحاراً.
لكن الصور لم تكن تقنع منصور.
حوض استحمام ممتلئ.
علبة مهدئات.
ومنشفة مطوية بعناية شديدة.
طرق الصورة بإصبعه وقال:
— من يستعد للموت… لا يطوي منشفة بهذه الدقة.
واصل راشد تقليب الأوراق.
ظهر اسم جديد.
مدحت صبري… مدير البناية.
تحويلات مالية متكررة.
والمرسل…
فريد الراوي.
رجل أعمال يظهر أمام الكاميرات باعتباره المدافع الأول عن حقوق العائلات الفقيرة، بينما كان في الخفاء يضغط بكل وسيلة للإسراع في هدم عمارات اللؤلؤة.
ساد الصمت.
ثم قال منصور ببطء:
— القض/ية ليست جر/يمة قت/ل فقط…
رفع عينيه نحو مخطط البناية المعلق على الجدار.
— هناك من يريد أن يدفن شيئاً…
أو أحداً…
قبل أن تصل الجرافات.
وفي اللحظة نفسها…
تردد الصوت من جديد، خلف جدار الشقة 309.