الشقة ٣٠٩_ حكايات محمد نور
ساد صمت قصير.
طوال ثلاثين عاماً، سمع منصور تهديدات ورشاوى وتوسلات لا تنتهي، لكن أحداً لم يضع أمامه مسؤولية الملكية بهذه البراءة من قبل.
سألها:
— هل تسكنين في الشقة 309؟
هزت رأسها.
— لا… في 308 مع أمي. أمي تعمل في المكتبة العامة، ولا تعود إلا متأخرة. أما 309 فهي مغلقة منذ ماتت السيدة التي كانت تعيش فيها.
تبادل راشد ومنصور نظرة سريعة.
كان يعرف البناية جيداً.
عمارات اللؤلؤة، البرج (ج).
اشتراها قبل أشهر عبر شركة عقارية، وبعد خمسة أيام فقط كان من المقرر أن تبدأ الجرافات هدمها لإقامة مجمع سكني فاخر يطل على البحر.
مال نحو الطفلة وسأل:
— ماذا تسمعين داخل الشقة؟
نظرت حولها بحذر، ثم همست:
— أولاً… أسمع الماء يجري بقوة، كأن أحداً يملأ حوض الاستحمام.
توقفت لحظة.
— ثم شيء يسقط.
— وبعدها؟
— خدش… طويل… في الجدار.
— ثم؟
رفعت يدها الصغيرة وطرقت على الهواء.
ثلاث طرقات سريعة…
ثم انتظرت ثانية.
ثلاث بطيئة…
ثم أكملت.
وثلاث سريعة.
في تلك اللحظة، تغيّر وجه راشد.
أما منصور، فشعر بقشعريرة باردة تسري في ظهره.
ذلك الإيقاع لم يكن عشوائياً.
كان رمز الاستغاثة العالمي…
SOS.
سألها بهدوء:
— هل أخبرتِ أمك؟
قالت:
— تقول إنها مجرد أنابيب مياه قديمة.
ثم ضمت الكيس الفارغ إلى صدرها وأضافت:
— لكن… أنابيب المياه لا تعرف العد.
توقفت الكلمات داخل صدر منصور.
لم يكن ما قالته الطفلة منطقياً فحسب…
بل كان مرعباً.
سألها:
— من أين جمعت هذا المال؟
أجابت وهي تنظر إلى العملات:
— من تنظيف المغاسل… ومن جمع علب الصفيح… وأخذت أيضاً من مرطبان كانت أمي تدخر فيه نقود عيد ميلادي.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
— سأعيدها لها… لكن أرجوك… اذهب أنت أولاً.
جمع منصور العملات واحدة تلو الأخرى، وأعادها إلى الكيس، ثم دفعه نحوها.
— احتفظي بها.
قالت باستغراب:
— لكنك لن تأتي إذا لم أدفع.
ابتسم للمرة الأولى.
— بل دفعتِ.