الشقة ٣٠٩_ حكايات محمد نور

 

ثلاث طرقات سريعة…

 

ثلاث بطيئة…

 

وثلاث سريعة…

 

رسالة استغاثة…

 

لكن هذه المرة، لم تكن قادمة من الماضي.

الجزء الثاني

 

عادت شادية إلى شقتها في عمارات اللؤلؤة قبيل منتصف الليل بقليل، منهكة بعد يوم عمل طويل في المكتبة العامة.

 

ما إن فتحت الباب حتى شعرت أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

 

كانت ابنتها أمل نائمة بعمق على الأريكة، وفستانها الأزرق لا يزال مبتلًا، بينما تغطيها بطانية دافئة. توقفت شادية في مكانها؛ فهي متأكدة أنها لم تترك البطانية هناك صباحًا.

 

تقدمت بخطوات حذرة.

 

على الطاولة وجدت طبقًا من حساء الدجاج لا يزال دافئًا، ورغيف خبز طازجًا، وبعض حبات الفاكهة، ودواءً للسعال.

 

لم يكن هناك أي اسم… ولا حتى ورقة صغيرة تفسر ما حدث.

 

أغلقت الباب بقفليه، وتأكدت من إحكام النافذة، ثم حملت أمل برفق إلى سريرها.

 

وفي اللحظة التي همّت فيها بإطفاء المصباح…

 

سمعته.

 

ثلاث طرقات سريعة…

 

ثم…

 

ثلاث بطيئة…

 

ثم…

 

ثلاث سريعة.

 

تجمدت في مكانها.

 

لأشهر طويلة كانت تقنع نفسها بأن تلك الأصوات ليست أكثر من أنابيب مياه قديمة تتمدد داخل الجدران.

 

فالاعتراف بالحقيقة كان أكثر رعبًا.

 

الأنابيب لا تستدعي الشرطة.

 

ولا تحتاج إلى محامين.

 

ولا تؤدي إلى إخلاء المباني.

 

لكن…

 

الأنابيب أيضًا لا ترسل رسائل استغاثة.

 

—

 

مع أول ضوء للصباح، قصدت مكتب مدير البناية، مدحت صبري.

 

استقبلها بابتسامته المعتادة؛ تلك الابتسامة الباردة التي تخفي خلفها تهديدًا جاهزًا لكل سؤال.

 

ما إن بدأت تتحدث عن الأصوات القادمة من الشقة 309، حتى قاطعها بهدوء:

 

— قبل أن نتحدث… لديك إيجار متأخر منذ أسبوعين.

 

ساد الصمت.

 

ثم واصل حديثه بنبرة أكثر قسوة:

 

— أنتِ أم تعيل طفلة وحدك… أليس كذلك؟

 

أومأت بصمت.

 

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

 

— سيكون مؤسفًا لو وصلت شكاوى بأن ابنتك تعيش في بيئة غير مستقرة… عندها سيزورك الباحثون الاجتماعيون، وقد يطرحون أسئلة كثيرة.

 

لم يقل أكثر من ذلك.

 

ولم يكن بحاجة لذلك.

 

خرجت شادية من المكتب وهي ترتجف، ليس من برد الصباح… بل من الخوف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *