ليلة العمر والهروب الكبير
## ليلة العمر… والهروب الكبير
في ليلة زفافها، أغلق حماها الباب بالمفتاح، ثم أخرج رزمة من المال بلغت مئة ألف جنيه، وهمس بنبرة حابسة للأنفاس:
— خذي هذا المال، غيّري ملابسكِ فوراً واخرجي من باب المطبخ الخلفي. الآن.. ودون تأخير!
— عمي «منصور»! ما الذي يحدث بحق الله؟
— ليس لدي وقت للشرح. اركبي يا ابنتي.. اركبي!
“لقد وصلوا بالفعل”.. ولكن من هم؟ لم تفهم «ياسمين» شيئاً مما يدور حولها. ومع ذلك، تملّكها خوف غريزي جعلها تطيع الأوامر دون تفكير. وكان هذا القرار هو ما أنقذ حياتها.
غادر آخر الضيوف قاعة الفيلا الفاخرة قرابة منتصف الليل. وأخيراً، اختلت «ياسمين» بنفسها في جناحها بالطابق الثاني. جلست على طرف الفراش، وشعرت بآلام حادة في ساقيها بعد ثماني ساعات طويلة قضتها واقفة على حذاء ذي كعب عالٍ.
كان عريسها «فارس» قد نزل قبل قليل لوداع بعض الأقارب الذين تأخروا في المغادرة، ولكنه أبطأ في العودة. ومن الطابق السفلي، كانت لا تزال تتسلل أصوات ضحكات خافتة ومكتومة، يتبعها بين الحين والآخر صوت إغلاق الأبواب المتتالي.
على مقعد مخملي مجاور، كان فستان زفافها الأبيض المطرز بحبات اللؤلؤ يربض كأنه غيمة بيضاء ناصعة. أما هي، فكانت ترتدي رداءً حريرياً ناعماً، وتتأمل ملامحها في مرآة التسريحة الخشبية القديمة ذات البريق الباهت، محاولةً استيعاب ما تعنيه هذه الحياة الجديدة: هذه الفيلا المهيبة المطلة على أطراف الإسكندرية، وذلك الحفل الأسطوري الباذخ الذي أُقيم من أجلها.
فجأة، جعلها الصوت الحاد لمفتاح يدور في القفل تلتفت والابتسامة على شفتيها، ظناً منها أن القادم هو عريسها. لكن لم يكن «فارس» هو من ظهر عند العتبة؛ بل كان حماها «منصور»، رجل ضخم البنية في الثانية والستين من عمره، غزا الشيب صدغيه وظهرت على يديه الواسعتين آثار سنوات طويلة من الكدح والعمل.
أغلق الباب خلفه بسرعة، وأدار المفتاح من الداخل. وبدافع من غريزتها، التقطت «ياسمين» ثوباً منزلياً كان موضوعاً على ظهر المقعد وضمته إليها لحماية نفسها.
— عمي «منصور».. ما الأمر؟ ما الذي حدث؟
لم يُجبها على الفور. بل سار بخطوات واسعة نحو المكتب الخشبي القريب من النافذة، وألقى فوقه رزمة من الأوراق النقدية المربوطة بشريط مطاطي مصرفي. ولم يكن ذلك سوى البداية.
أخرج رزمة ثانية، ثم ثالثة، حتى تشكلت على المكتب ثماني رزم ضخمة من الأموال في كومة مائلة. عندها فقط، التفت «منصور» نحوها، وكانت نظرته قاسية وحادة لدرجة أن «ياسمين» شعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري.
أمرها بصوت خفيض، لكن بنبرة صارمة لا تقبل الجدال:
— بدلي ملابسكِ فوراً. جينز، سترة، وحذاء رياضي. تجدينها في أسفل الخزانة. بسرعة!
— أنا لا أفهم شيئاً…
— ليس لدينا دقيقة واحدة لنخسرها!
اتجه نحو النافذة، وأزاح الستار بمقدار إصبع واحد فقط، وراح يمشط بأعينه ظلام الحديقة الدامس. ثم قال دون أن يلتفت:
— خذي المال. الأوراق الرسمية في الحقيبة القماشية على المقعد. ستخرجين من الباب الخلفي، تعبرين حديقة الخضروات حتى تصلي إلى البوابة الصغيرة في النهاية. هناك من ينتظركِ.
في تلك اللحظة، ارتقع من الخارج صوت مفاجئ: صرير حصى الحديقة تحت إطارات سيارات تقترب، يتبعه الهدير المكتوم للمحركات. لم تكن سيارة واحدة، بل كانت عدة سيارات. تراجع «منصور» عن النافذة، ولاحظت «ياسمين» فكيه المتشنجين من شدة التوتر.
— من هناك؟ وأين «فارس»؟
— اركضي يا ابنتي.. اركضي!
نطق بهذه الكلمات بطريقة قطعت أنفاسها ومنعتها من الكلام. ثم أردف وعيناه تفيضان برعب حقيقي:
— لقد وصلوا بالفعل. إذا لم تفعلي ما أقوله لكِ الآن وبدقة، فستموتين الليلة في هذا المنزل. هل تصدقينني؟
نظرت إلى عينيه الرماديتين الفاتحتين، الشبيهتين بعيني زوجها «فارس»، واللتين امتلأتا بخطوط حمراء من شدة الإرهاق والخوف. قرأت فيهما هلعاً جعل رعبها الخاص يبدو ضئيلاً أمام العاصفة التي تلتهم هذا الرجل العجوز.
همست بنبرة مرتجفة:
— ليس من أجلي.. بل من أجله. أنا أصدقك.
أفلتت الثوب المنزلي واندفعت نحو الخزانة. كان الجينز مناسباً تماماً، أما السترة فكانت فضفاضة للغاية، تبدو وكأنها لشخص غريب، وتفوح منها رائحة التبغ البارد الممزوج بزيت المحركات. ودون أن تضيع الوقت في ربط شريط الحذاء، انتعلت الحذاء الرياضي، خطفت الحقيبة القماشية وضمتها إلى صدرها بقوة.
في قاع الحقيبة، لامست أصابعها الغلاف الصلب لجواز سفرها، وعدة أوراق مطوية لم تجد وقتاً لتفقد محتواها. رفعت عينيها فوراً نحو حماها وسألته بهمس حابس للأنفاس:
— وأنت؟ ماذا عنك؟
حرك «منصور» رأسه بحركة خفيفة، كأنه يودعها:
— أنا سأبقى هنا.
ودون أن يمنحها فرصة للاعتراض، فتح الباب قليلاً واستكشف الممر الغارق في الظلام. كان وجهه من الجانب يبدو كأنه منحوت من الشمع. ثم قال:
— اتبعينني. لا تصدري أي صوت، وإياكِ وجعل درجات السلم تئن تحت قدميكِ.
## الهروب عبر الممر الخفي
سلكا معاً سلم الخدمة الخلفي، وهو السلم الضيق الذي استخدمه العمال طوال اليوم أثناء التجهيز لحفل الزفاف. كانت الدرجات الحجرية لولبية وباردة تحت أقدامهم المتسارعة. كانت «ياسمين» تحبس أنفاسها، وهي تشعر بالرعب من أن يفتح أي باب فجأة ويخرج منه أحدهم.
في الأسفل، قادها «منصور» إلى قبو مظلم تفوح فيه رائحة التراب الرطب والأخشاب القديمة. وبجهد جهيد، أزاح كيساً ضخماً من الخيش، ليكشف عن باب خشبي صغير ومنخفض، كان مخفياً تماماً في الجدار. وما إن فتحه حتى اندفع هواء الليل البارد نحوهم، وظهرت من خلاله الظلال المبهمة لأشجار الحديقة الخلفية.
التفتت إليه «ياسمين» وعيناها تتوسلانه إجابة، وأمسكت بطرف كم ثوبه بأصابع ترتجف رغماً عنها، وصوتها يتهدج:
— عمي «منصور».. أرجوك أخبرني ماذا يحدث! من هؤلاء الناس؟ و«فارس».. أين زوجي «فارس»؟! هل أصابه مكروه؟
لم يُجبها، بل انتزع كمه من بين أصابعها بلطف ولكن بحسم صلب. التمعت في عينيه المتعبتين نظرة وداع أخيرة، ثم دفعها برفق نحو الفتحة الضيقة مؤكداً بنبرة آمرة حاسمة:
— ليس هناك وقت، كل ثانية تمر تقربهم منكِ خطوة. إنهم في بهو الفيلا الآن. اذهبي ولا تنظري خلفكِ أبداً، مهما سمعتِ.. لا تنظري خلفكِ!
في تلك اللحظة بالذات، دَوّى في أرجاء الطابق السفلي صوت تحطم زجاج ضخم، تبعه صراخ مكتوم وجلبة أقدام ثقيلة تحطم كل ما يعترض طريقها. تجمد الدم في عروق «ياسمين»، لكن دفعة «منصور» الأخيرة كانت بمثابة طوق النجاة لها.
انطلق «منصور» ليعود إلى الداخل، بينما اندفعت «ياسمين» في عتمة الليل، تطأ قدماها تراب الحديقة الخلفية برعب لم تعهده من قبل. كانت برودة هواء الفجر تلفح وجهها، بينما صخب المداهمة القادم من واجهة الفيلا يتردد في مسمعها كأنه طبول حرب. ركضت بين شجيرات الطماطم وأحواض النعناع، وجسدها يرتجف داخل تلك السترة المترهلة.
وفجأة، تعثرت قدمها بجذر شجرة جاف، فسقطت بقوة على الأرض الترابية. شعرت بألم حاد في ركبتها، وكادت تصرخ، لكنها كتمت صرختها بيدها وهي تسمع أصواتاً خشنة تقترب من الشرفة الخلفية للفيلا، مصحوبة بأشعة كشافات يدوية قوية بدأت تمسح الحديقة.
نهضت مستجمعة كل ما تبقى لها من قوة، وتجاهلت الألم. ركضت صوب البوابة الحديدية الصغيرة المهترئة في نهاية المزرعة، فتحتها ببطء شديد كي لا تصدر صريراً يفضح أمرها، وتسللت عبرها إلى ممر ترابي ضيق يمر عبر حقل زراعي واسع موحش.
كانت الرؤية شبه معدومة، لولا ضوء القمر الخافت الذي ينير المدى ويصنع ظلالاً مرعبة للأشجار المحيطة. وسط أنفاسها المتلاحقة وضجيج قلقها، لمحت على بعد أمتار قليلة ظلاً لسيارة سوداء مطفأة المصابيح تماماً، كأنها شبح يربض في الظلام. كان يقف بجانبها رجل يرتدي معطفاً دافئاً، ويلتفت يمنة ويسرة بحذر شديد.
تقدم نحوها بضع خطوات سريعة عندما رآها تقترب، وسألها بصوت خفيض وحاد كشفرة الحلاق:
— «ياسمين»؟
أومأت برأسها وهي تلهث، عاجزة عن الكلام من فرط الصدمة والخوف، ودموعها تشق طريقها عبر الغبار الذي غطى وجهها.
— أنا «كامل»، صديق عمكِ «منصور». اركبي بسرعة، ليس لدينا وقت!
فتحت باب السيارة الخلفي وارتمت في المقعد، وفي اللحظة ذاتها، انطلق «كامل» بالسيارة بهدوء ودون إشعال المصابيح وسط الممر الترابي. لم يكد يمر دقيقة واحدة، حتى ظهرت في مرآة السيارة الخلفية أضواء كشافات سيارات الدفع الرباعي وهي تقتحم المزرعة التي فرت منها للتو.
ضغط «كامل» على دواسة الوقود بقوة، لتقفز السيارة على الطريق الإسفلتي الرئيسي بسرعة جنونية، شاقة طريقها نحو المجهول وسط ضباب الليل، بينما كانت أصوات سيارات المطاردين تبدو وكأنها تقترب وتتراجع في لعبة موت تحبس الأنفاس.
وضعت «ياسمين» الحقيبة القماشية في حضنها، وفتحتها بأيدٍ ترتعش بعنف بينما السيارة ترتج من السرعة. أخرجت جواز سفرها، وبجانبه عدة أوراق رسمية مطوية بعناية. فتحت إحداها وحاولت القراءة مستعينة بضوء هاتفها الخلوي الذي خفضت سطوعه إلى الحد الأدنى كي لا يلمح الضوء أحد من الخارج.
لم تكن تلك الأوراق مجرد وثائق عادية، بل كانت عقوداً، ووصايا، وشهادات بنكية تحمل أرقاماً فلكية أذهلت عقلها، وفي نهايتها ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد عمها «منصور» السريع، والمليء بالاضطراب، رسالة رجّت كيانها بالكامل:
> “ابنتي ياسمين، إذا كنتِ تقرأين هذه السطور، فاعلمي أنني ربما لم أعد موجوداً، وأن عائلتنا وقعت في فخّ مظلم بسبب ديون وتجارة قديمة اعتقدنا أنها انتهت بمرور السنين. «فارس» لم ينزل لوداع الضيوف يا ابنتي.. «فارس» تم احتجازه واختطافه منذ أول الليل ليتأكدوا من بقائكِ في المنزل حتى تنتهي الحفلة. هم لا يريدون المال، بل يريدون الانتقام وتصفية الحسابات القديمة منا جميعاً. خذي هذا المال والوثائق، واختفي تماماً عن الأنظار. غيري اسمكِ، وابدئي حياة جديدة في مدينة أخرى، ولا تثقي بأحد… حتى بنا.”
>
انهمرت الدموع من عيني «ياسمين» بغزارة، وتلاشت فرحة فستان الزفاف الأبيض في غضون دقائق، لتجد نفسها في ليلة عمرها هاربة في عتمة الليل، تاركة وراءها زوجاً لا تعرف إن كان حياً أم ميتاً، وعائلة تحترق، وماضياً بأكمله تحول فجأة إلى رماد… بينما كانت السيارة تخترق ظلام أطراف الإسكندرية نحو مصير لا تعلم عنه شيئاً.