حماتي بتناديني باسم ضرتي

بتحاول ترجعني وخلاص.
فسكت.
نظرت إليه بسمة طويلاً.
ثم قالت
لكن بعد اللي حصل مؤخرًا…
سكتت.
أكمل هو الجملة
بقيت أشك.
في تلك الليلة لم ينم أحمد بسهولة.
كان مستلقيًا ينظر إلى السقف.
وكل الأحداث القديمة تعود إليه.
بدأ يتذكر أشياء كان يعتبرها عادية وقتها.
مواقف صغيرة.
كلمات.
تصرفات.
أشياء لم ينتبه لها.
تذكر مثلًا أن أمه كانت دائمًا تنقل له كلامًا سلبيًا عن ندى.
وتقول
مراتك قالت كذا.
مراتك زعلانة منك.
مراتك مش بتحترمنا.
وفي كل مرة كان يصدق.
أما ندى فكانت تنكر.
فيعتبر أنها تكذب.
الآن فقط بدأ يتساءل
ماذا لو كانت أمه هي التي كانت تشعل الخلافات؟
ماذا لو كان جزء كبير مما حدث مبنيًا على سوء فهم؟
ظل مستيقظًا حتى الفجر تقريبًا.
بعد يومين حدث أمر غير متوقع.
كان أحمد في العمل حين تلقى اتصالًا من رقم غريب.
رد.
جاءه صوت امرأة متردد.
ألو… أحمد؟
تجمد مكانه.
كان يعرف الصوت.
رغم مرور سنوات.
قال ببطء
ندى؟
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت
أيوه.
شعر أن قلبه يدق بقوة.
ليس حبًا.
ولا حنينًا.
بل دهشة.
قال
خير؟
الحقيقة… أنا مترددة أكلمك من زمان.
ليه؟
علشان موضوع قديم.
جلس أحمد في مكتبه.
وأغلق الباب.
اتفضلي.
قالت ندى
سمعت من واحدة من قرايبنا عن اللي حصل بين مراتك ووالدتك.
وبعدين؟
افتكرت إن الوقت جه تعرف حاجة.
ساد الصمت.
ثم قالت
أنا ما كنتش سبب الطلاق يا أحمد.
أغمض عينيه.
كانت الجملة نفسها التي قرأها في الرسالة.
قال
عندك دليل؟
عندي.
في المساء.
عاد أحمد إلى البيت وهو شارد الذهن.
لاحظت بسمة ذلك فورًا.
سألته
حصل حاجة؟
نظر إليها.
ثم قال
ندى كلمتني النهارده.
توقعت بسمة أن تشعر بالغيرة.
لكن الغريب أنها لم تشعر بذلك.
ربما لأن الأمر كله أصبح أشبه بلغز قديم.
قالت
وقالت إيه؟
حكى لها كل شيء.
ثم أضاف
قالت إن عندها رسائل قديمة وصور تثبت إن أمي كانت بتتدخل بينا بشكل مباشر.
سكتت بسمة.
ثم قالت
هتقابلها؟
فكر قليلًا.
ثم قال
لازم أعرف الحقيقة.
بعد ثلاثة أيام.
تم اللقاء في مكان عام.
مقهى هادئ وسط المدينة.
حضرت ندى ومعها زوجها الحالي أيضًا احترامًا للجميع وحتى لا يكون هناك أي سوء فهم.
الأمر كله كان واضحًا ومحترمًا.
جلست بسمة بجوار أحمد.
أما ندى فجلست مع زوجها أمامهما.
وبدأ الحديث.
أخرجت ندى ملفًا صغيرًا.
وقالت
احتفظت بالحاجات دي سنين طويلة.
وضعت أمامهم مجموعة رسائل.
كانت رسائل مطبوعة وصورًا لمحادثات قديمة.
وأوراقًا بخط اليد.
بدأ أحمد يقرأ.
ومع كل ورقة كان وجهه يتغير.
كانت هناك رسائل كتبتها أمه لندى تطلب منها الابتعاد.
ورسائل أخرى تخبرها أن أحمد يريد الانفصال رغم أنه لم يقل ذلك أبدًا.
وفي إحدى الرسائل كانت أم أحمد تكتب بوضوح
ابني هيعيش أحسن من غيرك.
أغلق أحمد الملف بيد مرتجفة.
وشعر أن الأرض تهتز تحته.
قال بصوت مبحوح
ليه ما وريتنيش الحاجات دي وقتها؟
أجابت ندى بهدوء
حاولت.
لكنك ما كنتش مستعد تسمع.
خفض رأسه.
لأنه تذكر بالفعل.
تذكر كم كان غاضبًا وقتها.
وكم رفض الاستماع لأي تفسير.
عاد أحمد إلى البيت محطمًا.
ولأول مرة في حياته شعر أن الحقيقة أثقل مما يتخيل.
جلس في الصالة لساعات.
لا يتكلم.
لا يتحرك.
حتى اقتربت منه بسمة.
وجلست بجواره.
وقالت
أنت مش مسؤول عن كل حاجة حصلت.
رفع رأسه إليها.
فأكملت
كنت مخدوع.
هز رأسه.
بس أنا ظلمت إنسانة.
يمكن.
ويمكن كنت سبب في ټدمير بيت كامل.
لم تجد بسمة ردًا.
لأن جزءًا من كلامه كان صحيحًا.
في صباح اليوم التالي.
رن جرس الباب.
فتحت بسمة.
فتجمدت مكانها.
كانت أم أحمد واقفة أمام الباب.
لكن شكلها لم يكن كالمعتاد.
بدت متعبة.
وشاحبة.
وكأنها لم تنم منذ أيام.
قالت بصوت
منخفض
أحمد موجود؟
دخلت وجلست.
وبعد دقائق خرج أحمد من غرفته.
نظر إليها طويلًا.
دون أن يتكلم.
ثم قال
عرفتي؟
أخفضت رأسها.
وفهم فورًا أنها تعرف.
قال
ندى أظهرت كل حاجة.
ساد الصمت.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
بدأت أم أحمد تبكي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
اعترفت بالحقيقة.
لكن الاعتراف الذي خرج من فمها بعدها…
كان يحمل سرًا أكبر بكثير من مجرد تدخلها في الطلاق.
سرًا ظل مخفيًا أكثر من عشر سنوات.
وحين نطقت به…
شعر أحمد أن حياته كلها قد تنقلب رأسًا على عقب.
وقالت وهي تبكي
أنا ما فرقتش بينك وبين ندى بس…
أنا خبيت عنك حاجة تخص أبوك قبل ما ېموت…
ساد الصمت في الصالة.
حتى صوت عقارب الساعة أصبح مسموعًا.
أحمد وقف مكانه كأنه لم يفهم ما سمعه.
أما بسمة فجلست تنظر بينهما في توتر.
قال أحمد ببطء
تقصدي إيه؟
أم أحمد مسحت دموعها بطرف حجابها.
وكان واضحًا أنها تحارب نفسها حتى تتكلم.
قالت
قبل ما أبوك يتوفى بشهور… قال لي حاجة وطلب مني أوصلها لك.
اتسعت عينا أحمد.
وما قولتيهاش؟
هزت رأسها بالنفي.
لأ.
ارتفع صوته لأول مرة
ليه؟
بدأت تبكي من جديد.
وقالت
كنت فاكرة إني بحميك.
ضحك أحمد بمرارة.
بتحميني من وصية أبويا؟
خفضت رأسها.
ثم قالت
أبوك كان مريض وقتها… وعارف إن أيامه قليلة.
وفي يوم طلب مني أقعد معاه لوحدنا.
وقال لي إنه مخبي ملف مهم جدًا في الخزنة القديمة.
وساعتها قالي
أول ما أحمد يتم تلاتين سنة… اديله الملف.
تجمد أحمد.
كان عمره الآن أربعة وثلاثين عامًا.
يعني أن الموعد مر عليه سنوات.
قال بصوت متوتر
ومال الملف ده؟
ما أعرفش.
ما فتحتيهوش؟
لأ.
رفعت رأسها وقالت بسرعة
والله ما فتحته.
سكت الجميع.
ثم أكملت
بس خفت.
خفتي من إيه؟
خفت الملف يغير حياتك.
رد أحمد بحدة
وإنتِ من إمتى بقى من حقك تقرري حياتي؟
لم تستطع الرد.
لأنها كانت تعرف أنه محق.
بعد ساعة.
ذهبوا جميعًا إلى بيت العائلة القديم.
البيت الذي عاش فيه أحمد طفولته.
والذي أغلق معظمه بعد ۏفاة والده.
أخرجت أم أحمد مفتاحًا صغيرًا من حقيبتها.
ثم فتحت غرفة المكتب القديمة.
كانت رائحة الخشب العتيق تملأ المكان.
اتجهت إلى خزانة حديدية في الركن.
وبعد دقائق من المحاولة…
انفتح الباب.
أخرجت ملفًا بني اللون.
كان مغلقًا كما هو.
لم يُفتح قط.
ناولته لأحمد.
تردد قليلًا.
ثم فتحه.
في الداخل وجد عدة أوراق.
ومظروفًا كبيرًا.
ورسالة بخط يد والده.
بدأ يقرأ.
وكان الجميع ينتظر.
ابني أحمد…
إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن أمك نفذت وصيتي أخيرًا.
توقف أحمد للحظة.
ثم أكمل.
أنا لا أعرف متى ستصل إليك هذه الأوراق، لكني أعرف شيئًا واحدًا…
أن الإنسان لا يعيش مرتاحًا إذا بُنيت حياته على أنصاف الحقائق.
بدأ قلب أحمد يخفق بقوة.
وأكمل القراءة.
في هذا الملف ستجد مستندات تخص قطعة أرض كنت أملكها مع شقيقي.
وقد تنازلت عنها مؤقتًا لأسباب عائلية.
لكن حقي فيها ما زال قائمًا.
نظر أحمد باستغراب.
ثم أخرج الأوراق.
كانت بالفعل عقودًا ومستندات ملكية قديمة.
لكن الأمر لم يكن مجرد أرض.
بل كانت أرضًا كبيرة جدًا في منطقة أصبحت الآن من أغلى المناطق.
نظر إلى التاريخ.
ثم إلى التوقيعات.
ثم رفع رأسه بذهول.
قال
الأرض دي دلوقتي تساوي ملايين.
بسمة نظرت إليه بدهشة.
أما أم أحمد فبدت عليها علامات الارتباك.
قالت
أنا ما كنتش أعرف التفاصيل.
أحمد لم يرد.
كان مستمرًا في فحص الأوراق.
ثم وجد ورقة أخرى.
فتحها.
فتغير وجهه فجأة.
قال
إيه ده؟
اقتربت بسمة.
وجدت أنها ليست ورقة ملكية.
بل رسالة ثانية.
موجهة إليه شخصيًا.
قرأها بصوت مرتجف
يا أحمد…
لو وصلت للجزء ده من الملف، يبقى لازم تعرف الحقيقة كاملة.
عمك لم يسرق حقي…
أنا الذي تنازلت بإرادتي.
لكن بشرط.
توقف أحمد.
ثم أكمل.
اشترطت أن يحتفظ بنصيبك كاملًا حتى تكبر وتقرر بنفسك.
ساد الصمت.
قالت بسمة
يعني عمك ما ظلمش والدك؟
هز أحمد رأسه ببطء.
واضح كده.
ثم أكمل القراءة.
إذا كان عمك ما زال حيًا، فلا تدخل معه في خصومة.
وإذا كان قد ټوفي، فاجلس
مع أولاده بهدوء.
لأنهم أمناء على حقك وليسوا خصومك.
أغلق الرسالة.
وشعر بثقل كبير يسقط عن كتفيه.
فمنذ طفولته كان يعتقد أن عمه استولى على حقوق والده.
وهذا الاعتقاد زرعته فيه والدته مرارًا.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
في طريق العودة.
لم يتحدث أحد.
كانت أم أحمد تنظر من النافذة بصمت.
بينما أحمد يفكر في كل شيء.
في ندى.
وفي الرسائل.
وفي والده.
وفي السنوات التي عاشها وهو يصدق روايات لم يتحقق منها.
ولأول مرة بدأ يرى نمطًا واضحًا.
أمه كانت تتخذ القرارات نيابة عن الآخرين.
تقرر من يحب.
ومن يكره.
ومن يقترب.
ومن يبتعد.
وتقرر ما الذي يجب أن يعرفه الناس.
وما الذي يجب أن يظل مخفيًا.
بعد أسبوع.
قرر أحمد زيارة أبناء عمه.
كان متوترًا قبل اللقاء.
لكن المفاجأة أنهم استقبلوه بحفاوة كبيرة.
وكأنهم كانوا ينتظرونه.
وخلال الجلسة الطويلة…
أخرج ابن عمه ملفًا آخر.
وقال
كنا مستنيينك من سنين.
نظر أحمد إليه بدهشة.
مستنيني؟
أيوه.
ثم أخرج

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *