بنت اخويا كامله مرات اخويا اتوفت في اول ولاده ليها، واخويا اول ما شاف الطفله اللي انجبتها صرخ بصوت عالي ورماها للممرضه وهو بيقول مش عايزها.. اتخلصوا منها بأي طريقه مليش دعوه! اليوم ده مش ممكن يتمحي من ذاكرتي مهما عشت. كنا كلنا واقفين في ممر المستشفى، ريحة المعقمات بتخنقنا، وصوت نبضات قلوبنا كان أعلى من أي حاجة حوالينا. أخويا حسام كان رايح جاي زي المجنون، يفرك إيده ويدعي، ودموعه سبقاه لاهفته إنه يشوف حتة من حبيبته ومراته اللي كانت بقالها ساعات جوه غرفة العمليات بتصارع ولادة صعبة ومتعسرة جداً. الكل كان حابس أنفاسه.. وفجأة، شق السكون ده صوت صرخة رفيعة وضعيفة.. صرخة البيبي! نفسنا اترد لينا للحظة، وحسام وشه نور وفرح، لكن الفرحة ما كملتش ثواني. الباب اتفتح، وخرج الدكتور، ملامحه كانت خالية من أي بشرة خير، وشايل في إيده خيبة أمل تقيلة.. بصلنا وقال بنبرة هادية وموجعة البقاء لله.. عملنا كل اللي نقدر عليه، انجبت طفله ..لكن الأم ماتت. الصدمة شلتنا كلنا. حسام انهار تماماً، مش مصدق إن حب عمره راحت في لحظة. حاولنا نهديه، نطبطب عليه، ونفكرّه بالله. وسط دموعه ، كان أمله الوحيد اللي باقي في الدنيا هو بنته اللي لسه واصلة. قال بنبرة مكسورة وهو بيترعش عايز أشوفها.. عايز أشوف بنتها. الممرضة قربت وهي شايلة الطفلة الملفوفة في شاش أبيض، وبكل حنان قربتها منه عشان يشوفها.. وهنا حصلت الصدمة التانية اللي ما حدش فينا فهمها. أول ما حسام عينه جت على الطفلة، ملامحه اتقلبت لرعب صافي! وشه اتقشر وبقى أبيض زي الأموات، صرخ صرخة فظيعة، ورمى البنت في إيد الممرضة بعنف وهو بيرجع لورا وكأنه شايف شيطان، وقال بجنون مش عايزها.. اتخلصوا منها بأي طريقه مليش دعوه! وسابنا وجري برة المستشفى زي المجنون، واختفى في ضلمة الليل. أنا ومراتي وقفنا مذهولين، البنت كانت بتصرخ في إيد الممرضة المخطوفة من الموقف. أخدت البنت منها وأنا مش فاهم حاجة.. وبصيت في وشها؛ كانت طفلة طبيعية جداً، ملامحها بريئة، مفيش فيها أي تشوه أو حاجة غريبة تخلي أب يترعب منها بالشكل ده! حاولنا على مدار أيام نوصل لأخويا، نقنعه، نفهمه إن البنت ملهاش ذنب في موت أمها وإنها حتة منهم.. لكن حسام كان أول ما نجيب سيرة البنت يصرخ برعب حقيقي، رعب مش بتاع زعل أو صدمة، ده رعب حد بيشوف الموت! وفي ظرف أسبوع، حسام لم هدومه، ساب البلد كلها، وسافر برة مصر وقفل كل طرق التواصل معانا. البنت صعبت عليا وعلى مراتي، مكنش ينفع نسيب لحمنا يترمي. أخدناها وربيناها وسط ولادنا، سميناها مريم. كانت بتكبر يوم عن يوم، وكانت بتتميز بجمال هادي وملفت جداً.. بس الغريب إنها كل ما تكبر، كانت بتبقى هادية بزيادة. هدوء مش طبيعي لدرجة إننا شكّينا إن عندها مشكلة في الكلام أو السمع، وعرضناها على دكاترة كتير، والكل أكد إنها سليمة عضوياً بنسبة 100.. هي بس اختارت السكون. عشر سنين مروا في سلام تام.. مريم كبرت وبقت في قمة الهدوء والبراءة، وبقينا نتعامل مع صمتها ده على إنه طبيعتها. لحد اليوم المشئوم ده. كانت مريم قاعدة في أوضتها فوق بتلعب لوحدها كالعادة، وأنا قاعد مع مراتي تحت في الصالة.. وفجأة، انشق سكون البيت بصوت صرخة شديدة مرعبة! ، صرخة فيها خوف ووجع ملوش مثيل، والصوت كان طالع من أوضة مريم! قلبي اتنفض من مكانه، الخوف عمى عيني، وجريت على السلم زي المجنون ومراتي ورايا . وصلت لباب الأوضة، مسكت المقبض وبكل قوتي فتحت الباب بسرعة وخوف.. واول ما فتحت الاوضه قلبي وقع من الصدمه.. وفهمت وقتها بس ليه اخويا رفض يستلمها من اول يوم ولادتها !!!! أول ما فتحت الباب، الهوا في الأوضة كان ساقع لدرجة تخلي سنانك تخبط في بعضها، ريحة الأوضة اتقلبت فجأة وبقت زي ريحة مستشفى.. نفس ريحة المعقمات والشاش اللي كانت في اليوم المشئوم من عشر سنين! مريم مكنتش واقفة بتعيط، ومكنتش واقعة على الأرض.. مريم كانت واقفة في نص الأوضة، ضهرها ليا، ومثبتة عينيها على المراية الكبيرة اللي في الدولاب. جسمها كله كان بيترعش بعنف، الصرخة اللي سمعناها مكنتش طالعة من بؤها هي.. دي كانت طالعة من حتة تانية خالص! حاولت أقدم رجلي، بس رجلي كانت تقيلة زي الرصاص. مراتي صرخت ورايا وحطت إيدها على بؤها وهي بتركع على ركبها من المنظر. مريم بدأت تلف وشها ليا ببطء شديد.. حركة رقبتها مكنتش طبيعية، كانت بتتحرك بحركات متقطعة وخشبية وكأن في حد بيحركها غصب عنها. ولما وشها ب we بقى مواجه ليا.. الصدمة شلت لساني! مريم مكنتش مريم.. ملامح الطفلة الطيبة البريئة اللي عندها عشر سنين اختفت تماماً! عينيها كانت مقلوبة لفوق، مفيش فيها نني، بياض صافي ومخيف.. وشها كان شاحب ومشدود بطريقة مرعبة، وبؤها كان مفتوح على آخره لدرجة تخوف، والصوت اللي طالع منه مكنش صوت طفلة.. ده كان صوت نهى.. الله يرحمها.. مرات أخويا! الصوت كان طالع حشرجة مخنوقة، نفس الصوت اللي سمعته وهي بتنازع في غرفة العمليات قبل ما تموت حسام.. متسيبنيش.. حسام الحقني! في اللحظة دي، شريط الذكريات اتعرض قدام عيني في ثانية واحدة.. افتكرت حسام لما الممرضة قربت منه بالطفلة، وافتكرت نظرة الرعب اللي في عينه. حسام مكنش خايف من لمحة نيوز الطفلة عشان هي السبب في موت مراته زي ما كنا فاكرين.. حسام في اللحظة دي، لما بص في وش البيبي اللي لسه مولود، مشافش ملامح طفلة.. شاف ملامح مراته الميتة وهي بتبص له وبتعاتبه! حسام هرب مش من بنته.. حسام هرب من السر اللي دفنه مع مراته! تراجعت خطوتين لورا، وجسمي كله بيلتفض. مراتي كانت بتعيط بهستيريا وتشدني من هدومي يا إبراهيم.. الحق بنتنا.. في إيه؟ مريم مالها؟! حاولت أستجمع قوتي، وقدمت خطوة ناحيتها.. ناديت عليها بصوت مرعوب ومتحشرج مريم.. يا بنتي.. سامعاني؟ أول ما نطقت اسمها، البنت اتنفضت، وعينيها المقلوبة رجعت لطبيعتها في ثانية. وقعت على الأرض مغمى عليها وكأن في حد قطع الخيوط اللي كانت محركاها. جريت عليها، شلتها في .. جسمها كان تلوج، مفيش فيه أي حرارة. مراتي جابت مصلية وجريت تقرأ قرآن وهي بتبكي، وأنا أخدت مريم وخرجت بيها برة الأوضة دي خالص، نيمتها في أوضتنا وفضلنا قاعدين جنبها لحد الصبح، مفيش حد فينا رمش ولا غمض له جفن. تاني يوم، مريم صحيت وكأن مفيش حاجة حصلت! رجعت لهدوئها وسكوتها المعتاد، لما سألناها هي فاكرة إيه من امبارح، بصت لنا ببراءة وقالت بصوتها الضعيف أنا كنت بلعب.. ونعست يا بابا. مريم مكنتش فاكرة حاجة.. لكن أنا ومراتي كنا هنموت من الرعب. البيت مكنش طبيعي، السكون اللي كان مالي البيت عشر سنين اتقلب لتوتر يقطع الأنفاس. هنا قررت إن السكوت مش هينفع.. أنا لازم أعرف حسام شاف إيه؟ وإيه السر اللي مخلّي روح نهى أو حاجة شبهها مش عايزة تسيب البنت في حالها؟ قعدت على اللاب توب بتاعي، وبدأت أدور على أي طريقة أوصل بيها لحسام. حسام من يوم ما سافر كندا، غير أرقامه، وقفل حساباته القديمة، ومبقاش بيكلم غير واحد صاحبه من أيام الجامعة اسمه شريف. كلمت شريف، وأول ما رد عليا، قولتله بنبرة حاسمة ومفيش فيها فصال شريف.. أنا عارف إن حسام بيتواصل معاك. اسمعني كويس.. البنت بتموت، وإحنا بنموت، والبيت هيتهد فوق دماغنا. لو ما خلتش حسام يكلمني حالا، أنا هسافر له كندا وأجيبه من شعره. قسماً بالله الموضوع حياة أو موت! شريف حس بنبرة صوتي إنه مفيش مجال للهزار أو المماطلة. قفل معايا، وبعد ساعتين بالظبط، رن تليفوني برقم دولي غريب. فتحت الخط بسرعة وإيدي بترتعش ألو؟ جاني صوته.. مكسور، ع provide شوز، وتعبان وكأنه كبر ميت سنة إبراهيم؟ أيوا يا حسام.. إبراهيم اللي سيبت له لحمك ودمك وهربت.. إبراهيم اللي بقاله عشر سنين بيربي بنتك وهو مش فاهم أنت عملت كده ليه! صوت حسام بدأ يتهدج بالبكاء عاملة إيه يا إبراهيم؟ مريم عاملة إيه؟ صحت فيه بغضب ممزوج برعب مريم مش عاملة! مريم امبارح اتكلمت بصوت نهى يا حسام! وشها اتقلب وبقت نسخة من نهى وهي بتموت، وبتقول نفس كلامها.. حسام، أنت شوفت إيه يوم ولادتها؟ وليه سيبتها وهربت؟ الناحية التانية من الخط شهدت حالة صمت رهيبة، مكنش مسموع فيها غير صوت أنفاس حسام المتلاحقة والباكية. بعد دقيقة كاملة من الصمت، قال بصوت مبحوح كنت عارف.. كنت عارف إنها مش ه تسيبها.. الذنب بياكل فيا كل يوم يا إبراهيم. ذنب إيه؟ أنطق ريحني! حسام قال وهو بيبكي بنشيج يقطع القلب أنا اللي قتلت نهى يا إبراهيم! الكلام نزل عليا زي الصاعقة. قعدت على الكرسي ومش مصدق قتلتها؟ قتلتها إزاي وهي ماتت في الولادة؟ الدكاترة كلهم قالوا ولادة متعسرة! حسام بدأ يحكي، والقصة كانت أبشع من أي حاجة ممكن يتخيلها عقل نهى قبل ما تولد بشهرين، تعبت جداً. الدكاترة قالوا إن عندها مشكلة كبيرة في القلب، وإن الحمل ده خطر على حياتها، ولازم نعمل إجهاض فوراً عشان ننقذها. نهى رفضت، بكت واترجتني وقالت لي يا حسام أنا نفسي في طفل منك، لو موت عشان ابننا يعيش أنا راضية. أنا كنت بحبها الأعمى، ومكنتش مستعد أخسرها. وافقت مع الدكاترة إننا نعمل الإجهاض غصب عنها في مستشفى خاص تبع واحد صاحبي. . وجهزنا كل حاجة. يوم العملية، نهى عرفت بالاتفاق.. صرخت في وشي وبكت وهربت من البيت. جريت وراها في الشارع، وفي لحظة عصبية وجنون مني، مسكتها جامد وزقيتها عشان أركبها العربية بالعافية.. نهى وقعت على بطنها من على الرصيف! نزفت نزيف شديد، وخدتها وجريت على المستشفى.. الدكاترة قالوا إن النزيف دمر كل حاجة، وإنها بتنازع. دخلت غرفة العمليات، وقبل ما الباب يقفل، بصت لي بنظرة عمري ما ه نساها.. نظرة عتاب وكسرة وموت، وقالت لي بنفس الحشرجة حسام.. متسيبنيش.. حسام الحقني.. ودخلت وماتت! يوم ما الممرضة خرجت بالبنت.. أنا مكنتش رافض بنتي يا إبراهيم. أنا لما بصت في وش الطفلة، مشوفتش ملاك صغير.. أنا شوفت عينين نهى الميتة، وشوفت وشها الشاحب، والبنت فتحت بؤها وطلعت نفس الحشرجة بنفس الكلمات! أنا خوفت.. اترعبت إن ربنا يعاقبني ويخليني أشوف ذنبي قدام عيني كل يوم.. هربت عشان مكنتش قادر أواجه نظرة نهى اللي جوه البنت! قعدت أسمع كلام حسام وجسمي كله بيقشعر. الحقيقة كانت مرة، وصعبة. أخويا مش مجرد أب قاسي.. أخويا شايل ذنب ومطارد بلعنة الندم. قولتله وأنا بحاول أتمسك بثباتي والحل يا حسام؟ البنت ذنبها إيه؟ البنت بتكبر واللعنة دي بتكبر معاها.. الصمت اللي كانت فيه طول السنين دي مكنش طبيعي، ده كان كبت للحاجة اللي جواها! حسام قال بخوف أنا هاجي يا إبراهيم.. أنا لازم أرجع.. المواجهة هي الحل الوحيد، أنا لازم أطلب منها السماح.. لازم أطلب من روح نهى تسيب البنت وتتحاسب معايا أنا. قفلنا السكة، وحسام حجز أول طيارة لمصر. اليومين اللي فاتوا على ما حسام يوصل كانوا كابوس حقيقي. مريم بدأت تتغير.. مبقتش البنت الهادية. بقت تقعد في ضلمة الأوضة، ترفض الأكل، ولو حد قرب منها تبص له بنظرة حادة وغريبة تخلي الواحد يرجع لورا من الخوف. مكنتش بتتكلم، بس كانت بتكتب على الحيطة بضوافرها كلمات مش مفهومة، وخطوط عشوائية مرعبة. يوم وصول حسام، الجو كان مغيم والليل ليل بسرعة. مراتي أخدت ولادي وراحت عند أهلها، مكنش ينفع يسهروا في البيت ده الليلة دي. فضلت أنا ومريم في البيت مستنيين حسام. الساعة دقت 11 بالليل، الباب خبط. جريت فتحت، وكان حسام واقف.. شعره شايب، وشه مليان تجاعيد، مش ده حسام اللي سافر من عشر سنين خالص، ده راجل عجوز مكسور الهموم. أول ما دخل، بصلنا وبص حواليه وهو بيترعش فين مريم؟ قولتله بنبرة واطية فوق في أوضتها.. اجهز يا حسام، اللي هتشوفه مش سهل. طلعنا السلم خطوة خطوة، وصوت ضربات قلوبنا كان مسموع. وصلنا للأوضة، الباب كان موارب. . والضوء بره الأوضة كان خافت. حسام مد إيده المهزوزة وفتح الباب بالكامل. مريم كانت قاعدة على السرير، مديانا ضهرها. أول ما حسام دخل الأوضة، الهوا الساقع رجع تاني.. وريحة المعقمات والشاش الموتور ملأت المكان. مريم بدأت تلف وشها.. وبنفس الحركة الخشبية المرعبة. حسام أول ما شاف وشها، رجع لورا وظهره خبط في الحيطة، حط إيده على قلبه وبدأ يتنفس بصعوبة. وش مريم كان شاحب كالأموات، وعينيها بيضاء تماماً.. وبدأت تقف على السرير ببطء. اتكلمت.. بنفس الصوت، نفس الحشرجة المرعبة اللي بتهز الجدران رجعت ليه يا حسام؟ جاي تاخدني تاني؟ حسام وقع على ركبه، الدموع انفجرت من عينه زي الشلال، صرخ بأعلى صوته وهو بيضرب على صدره سامحيني يا نهى! أنا أسف.. أنا كنت غبي، كنت بحبك ومكنتش عايز أضيعك.. أنا السبب في موتك وموت حلمنا.. عاقبيني أنا، خديني أنا، بس سيبي البنت.. مريم ملهاش ذنب! مريم حتة منك! البنت بدأت تقرب من طرف السرير، وحركاتها كانت غريبة وكأنها عايمة في الهواء. بصت لحسام بعيونها البيضا، والصوت طلع تاني بس المرة دي كان فيه بكاء وموجع أنا كنت خايفة يا حسام.. أنت زقيتني.. أنت سيبتني أموت لوحدي! حسام زحف على الأرض لحد ما وصل تحت رجليها، مسك رجليها الصغيرة وبدأ يبوسها ويبكي بحرقة والله العظيم ما كان قصدي.. عمري ما تمنيت لك الشر.. أنا عايش في جحيم بقالي عشر سنين، كل يوم بدعي ربنا ياخدني عشان أجيلك.. سيبي بنتك تعيش، وعاقبيني أنا! في اللحظة دي، حصلت حاجة عجيبة.. الغرفة اهتزت فجأة، وصوت ريح قوية ضربت الشبابيك لدرجة إن الزجاج كان هيتكسر. مريم رفعت إيديها لفوق، وصوت الحشرجة بقى عالي جداً وكأنه صرخة وداع طويلة وموجعة.. صرخة شقت سكون الليل كله. وفجأة.. صمت تام. الريح وقفت، والبرودة اللي في الأوضة اختفت وحل مكانها دفا غريب. مريم عينيها رجعت لطبيعتها، ونزلت النني الأسود الجميل بتاعها.. بصت حواليها بزهول، ولما شافت حسام راكع على الأرض وبيبكي، ونظرت ليا.. ملامحها رجعت لطبيعتها تماماً.. ملامح طفلة بريئة مفيش فيها أي شر. مريم نزلت من على السرير بالراحة، قربت من حسام اللي كان لسه حاطط راسه بين إيديه وبيعيط. مدت إيدها الصغيرة وطبطبت على شعره الشايب.. ولأول مرة من عشر سنين.. لأول مرة مريم تتكلم بصوتها الطبيعي.. صوت طفلة رقيق وناعم ومفهوم متبكيش يا بابا.. ماما بتقولك إنها مسمحاك.. وبتقولك متسيبنيش تاني. حسام رفع راسه ببطء، بصلها وهو مش مصدق.. البنت نطقت! ونطقت بصوتها هي، وبتقوله يا بابا! حسام أخدها بكل قوته، وبقى يبكي ويصرخ بس المرة دي مكنش رعب.. دي كانت دموع راحة، دموع غسلت ذنب عشر سنين من العذاب والهروب. أنا وقفت عند الباب، دموعي نازلة على خدي، وأخيراً اتنفست بحرية. عرفت إن روح نهى مكنتش جاية تأذي البنت، هي كانت حابسة صوت البنت وملازماها لحد ما حسام يرجع ويواجه ذنبه ويطلب السماح.. كانت عايزة تضمن إن بنتها هتعيش أبوها مش متبرية منها. من اليوم ده، حسام مسافرش تاني. قعد معانا في مصر، وأخد مريم ، وعوضها عن كل سنين الحرمان. ومريم بقت بنت طبيعية، بتضحك وتلعب وتتكلم.. والبيت اللي كان مليان سكون ورعب، بقى مليان بصوت ضحكتها اللي رجعت الروح لينا كلنا. وفهمت إن ساعات الهروب من الذنب بيبقى أبشع من الذنب نفسه، وإن المواجهة هي الحاجة الوحيدة اللي بتشفي القلوب. متابعة القراءة الصفحة 1 من 3 صفحة الصفحة 2