لو مشيت ورا كلام مراتك هتخليك تشحت

موقع أيام نيوز

وتملأ أركان الشقة، مختلطة برائحة طواجن الجمبري بالبشاميل، وشوربة السي فود الغنية، والأرز الصيادية البني البراق. كانت والدتكِ تعمل بحب وعين على الساعة، وعين أخرى على الطرقة المؤدية إلى غرفة أحمد ونور، حيث كان الصمت لا يزال يفرض الحصار على العروسين منذ ليلة أمس.
عند الساعة الواحدة ظهرًا، وقبل موعد عودة والدكِ بثلاث ساعات كاملة، انتهى كل شيء. رتبتْ والدتكِ السفرة بأجمل الأطباق والمفارش التي كانت تخبئها للمناسبات الرسمية، ووضعت في المنتصف السرفيس الكبير المليء بالجمبري الذي تمنتْه العروس، وتحيط به طواجن الشوربة والأسماك الفاخرة، في مشهد يعبر عن منتهى الكرم والاعتذار الضمني. التفتتْ إليكِ والدتكِ وقالت ونفسها متقطع من التعب ادخلي يا بنتي نادي لأخوكي ومراته، قوليلهم السفرة جاهزة.
توجهتِ إلى غرفتهما، وطرقتِ الباب بخفة. فتح أحمد، وكان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتين من قلة النوم والأرق، وخلفه كانت نور تجلس على طرف السرير مطأطئة رأسها، تبدو وكأنها حزمت حقائبها النفسية للرحيل. عندما شم أحمد الرائحة ونظر إلى ملامح وجهكِ المبتسمة، قطب جبينه مستغربًا. قلتِ له بصوت حنون يلا يا أحمد، يلا يا نور، ماما مستنياكم على الغدا، عاملين لكم مفاجأة. خرج أحمد تتبعه نور بخطوات متباطئة وخجولة، وما إن وصلا إلى صالة الطعام ورأيا السفرة، حتى تسمرت أقدامهما في مكانهما.
نظرتْ نور إلى الجمبري والأطباق الفاخرة، ثم نظرت إلى والدتكِ التي كانت تقف بابتسامة دافئة ودموع تترقرق في عينيها. تقدمت والدتكِ نحو نور، وأمسكت بيديها برفق وقالت لها يا نور عيني، البيت ده بيتك، وإنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات ابني. الكلمة اللي تضايقك ما تطلعش من البيت ده، وأنا اللي عازماكي النهارده على الجمبري اللي نفسك فيه، كلي وأكلي حفيدنا، ولا تزعلي خاطرك أبدًا. في تلك اللحظة، اڼفجرت نور بالبكاء، لكنه لم يكن بكاء القهر كليلة أمس، بل كان بكاء الامتنان وجبر الخاطر. ارتمت في أحضان والدتكِ تشكرها، بينما وقف أحمد ينظر إلى والدته بنظرة مليئة بالاحترام والتقدير، وشعر بأن جبل الهم والمهانة الذي وضعه والده على كتفيه قد أزاحته أمه بلمسة حنان وكرم.
جلس الجميع على السفرة، وعادت الضحكات لترن في أرجاء المكان، وعوض أحمد زوجته بوضع قطع الجمبري في طبقها بامتنان كبير، وخلال ساعتين، تم محو أثر الحزن تمامًا من قلبي العروسين. تم تنظيف السفرة والمطبخ بسرعة فائقة، وأُزيلت كل الروائح وأدلة الوليمة قبل أن تدق الساعة الرابعة؛ موعد عودة الحاج جلال. وعندما فتح والدكِ الباب ودخل البيت بجبروته المعتاد، وجد الهدوء يعم المكان، ووجد زوجته وابنه وعروسته يتعاملون بطبيعية تامة، ولم يكن يعلم أن تلك السفرة التي أراد أن يفرض فيها سطوته بالمنع، قد تحولت في غيابه إلى ميدان لانتصار الحب والجبر، وأن الأصول الحقيقية للبيوت لا تُحفظ بالقسۏة،

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *